الصفحة 104 من 340

وبين سبحانه أن كثيرا من الملائكة مع عظم مكانتهم عنده لا تنفع شفاعتهم لأحد؛ إلا إذا أذن الله سبحانه لهم أن يشفعوا فيمن شاء من عباده، وكان المشفوع فيه ممن رضي قوله وعمله، بأن يكون سالما من الشرك قليله وكثيره، وإذا كان هذا في حق الملائكة فغيرهم من باب أولى، قال تعالى: { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى } [النجم: 26] .

ويحرم طلب الشفاعة من الأنبياء والصالحين من أموات المسلمين، كأن يقول: يا نبي الله اشفع لي عند ربك ليغفر لي، أو يا سيدي فلان اشفع لي عند ربك ليفرج كربتي.

فهؤلاء بهذا الاستشفاع المحرم قد جمعوا بين أمرين عظيمين:

الأول: دعاء غير الله وهو شرك أكبر.

والثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق حيث طلبوا واسطة كما تطلب للمخلوق من ذوي السلطان وجهلوا أن المخلوق قد يخفى عليه أمر الإنسان فيحتاج إلى من يعلمه به، بخلاف الرب تبارك وتعالى فإنه عليم بأحوال عباده لا يخفى عليه من أمرهم شيئا.

وقال عز وجل في سورة سبأ: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ } [سبأ: 22] .

أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين { ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } أنهم آلهة من دون الله، ليكشفوا الضر الذي نزل بكم، فقد قطع الله بها جميع الأسباب الواهية التي يتعلق بها المشركون في عبادة غير الله من الملك والشركة، والمعاونة والشفاعة، فنفى الله سبب هذه المراتب الأربع من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت