فهرس الكتاب
قال تعالى في محكم التنزيل: { يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ } [النساء: 171] والخطاب وإن كان لأهل الكتاب، فهو تحذير لهذه الأمة من أن يفعلوا مع نبيهم محمد - صلى الله عليه وسلم - كما فعلت النصارى مع المسيح عليه السلام واليهود مع عزير، ومن تشبه بهم من هذه الأمة وغلا في الدين بإفراط أو تفريط فهو منهم.
وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } [نوح: 23] قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت.
وقد كان الناس على التوحيد عشرة قرون منذ أن أهبط الله سبحانه آدم عليه السلام إلى الأرض حتى حدث الشرك بسبب الغلو في
الصالحين ؛ وذلك أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا أهل دين وفضل وخير، وماتوا في زمن متقارب، فأسفوا عليهم، وصاروا يترددون على قبورهم، فأتاهم الشيطان وسول لهم أن يصوروا صورهم، ليكون أسهل عليهم من المجيء إلى قبورهم، ولم يكونوا قصدوا عبادتهم، وإنما قصدوا التذكر بهم، ليكون أدعى لهم على فعل الخير والتأسي بهم.
وقد أخرج الشيطان لهم هذه الحيلة في قالب المحبة، لعدم قدرته عليهم إلا بهذه الدرجة، ومقصوده من بعدهم الذين لم يعرفوا ما نصبت له، ليوسوس لهم أنهم كانوا معبودين في أولاكم.