الصفحة 112 من 340

أوجب الله علينا عبادته وحده لا شريك له، وحذرنا من مزالق الشيطان وخطواته، ومن ذلك الغلو في الصالحين، فسبب كفر بني آدم، أو سبب أول كفر بني آدم وتركهم دينهم الذي خلقوا له، ولا صلاح ولا فلاح لهم إلا به، هو الغلو في الصالحين من الأنبياء والأولياء وغيرهم، بالقول والاعتقاد فيهم، وضابط الغلو: تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه، ومن تأمل بعض ما يفعله عباد القبور مع الأموات من الشرك، علم علما يقينا أن سبب ذلك الغلو فيهم، فعلى المسلم الحذر من الغلو مطلقا، لا سيما في الصالحين، فإنه أصل الشرك قديمًا وحديثًا، لقرب الشرك بالصالحين من النفوس، فإن الشيطان يظهره في قالب المحبة والتعظيم.

وينقسم الناس تجاه الصالحين إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الغلاة: وهم الذين يرفعون الصالحين فوق منزلتهم التي أنزلهم الله إياها، فيعظمون قبورهم بدعائها، والذبح لها، والطواف حولها، بل وصل الأمر إلى اعتقاد بعضهم أن هؤلاء الصالحين يجيبون الداعي، وينجون الغريق، ويطفئون الحريق، ويتصرفون في الكون، وهذا هو الشرك الأكبر.

القسم الثاني: الجفاة، وهم الذين يتنقصون الصالحين ويجحدون فضلهم ولا يقومون بحقهم من الحب والموالاة.

وكلتا الطائفتين قد ضلت عن سواء السبيل.

والقسم الثالث: الوسط وهم الذين يقتدون بالصالحين في أقوالهم وأعمالهم الصالحة، ويحبونهم ويحترمونهم ويدافعون عنهم، ولا يرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله إياها، وهذا هو الواجب تجاه الصالحين فلا إفراط ولا تفريط.

وقد نهى الله سبحانه اليهود والنصارى عن مجاوزة الحد مع الصالحين، وعن رفع المخلوق فوق منزلته التي أنزله الله إياها، والغلو كثير في النصارى فإنهم غلوا في عيسى عليه السلام فرفعوه من مرتبة النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله، واليهود انتقصوا منه، فالنصارى أفرطوا واليهود فرطوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت