فهرس الكتاب
وقد استجاب الله سبحانه دعاء نبيه - صلى الله عليه وسلم - وحمى قبره بثلاثة جدران فلا أحد يصل إليه يجعله وثنا يعبد، إذ ليس فيه شيء من صور الوثنية، فلا يطاف حول قبره، ولا يذبح له، بل حفظه الله على مر التاريخ إلى يومنا هذا.
ومنع الشرع من تتبع آثار الصالحين كقبورهم ومجالسهم ومواضع صلاته؛ إذ أن ذلك قد يئول إلى عبادتهم، وقد خاف الصحابة رضي الله عنهم من غلو الجهال بالصالحين وآثارهم فسدوا باب الشرك والفتنة.
ومن ذلك أنه لما فتح المسلمون بلاد فارس وجدوا في بيت مال الهرمزان -أي: الكبير من ملوك العجم- سريرًا عليه رجل ميت يقال له «دنيال» كانت الفرس تغلو فيه فأمر عمر رضي الله عنه أن يحفر ثلاثة عشر قبرا نهارا ثم يدفن في أحدها ليلا، ثم تسوى القبور حتى يخفى أمره على
الناس فلا يفتتن به، ولم يبرز قبره لئلا يعبده الجهال من دون الله.
وأمر عمر رضي الله عنه بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون عندها فخاف عليهم الفتنة.
ثم قال - صلى الله عليه وسلم - في تتمة الحديث:"اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"قال مجاهد: أتى - صلى الله عليه وسلم - بهذه الجملة بعد دعائه ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد، تنبيها على سبب لحوق شدة الغضب عليه، ولعنهم، وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد، وفيه تحريم البناء على القبور، والصلاة عندها، وأنه من الكبائر، وكره مالك أن يقول: زرت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلل الكراهة بقوله:"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: وفيه أنه لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.