فهرس الكتاب
محبة الله سبحانه عبادة قلبية من أجل العبادات التي يجب إخلاصها لله، وقد أخبر الله عن المشركين -ذمًا لهم وتحذيرًا من فعلهم- أنهم يحبون الله ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، لأنهم أشركوا معه في المحبة غيره، وهذا هو الذي اعترف به المشركون وهم بين أطباق الجحيم، بأنهم صاروا في الجحيم بسببه حيث قالوا: { تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [الشعراء: 97، 98] ومن المعلوم أنهم لم يساووا آلهتهم بالله في الخلق والرزق والتدبير، وإنما ساووهم بالله في هذه المحبة الخاصة.
فكل من اتخذ ندا لله، يحبه كحبه لله؛ فقد وقع في الشرك الأكبر.
وقال سبحانه وتعالى: { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [التوبة: 24] .
في الآية وعيد شديد لمن أحب الأصناف الثمانية؛ فآثرها أو بعضها على حب الله ورسوله، والقيام بما أوجب الله عليه من الأعمال كالهجرة والجهاد ونحو ذلك فلينتظر العقوبة.
وهذه الآية دليل على وجوب محبة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى تقديمها على محبة كل شيء.
وقد نزلت الآية في المسلمين الذين بمكة، لما أمروا بالهجرة قالوا:
إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا، وذهبت تجارتنا، وخربت ديارنا وقطعنا أرحامنا، وكان منهم من يتعلق به أهله وولده، ويقولون: ننشدك بالله ألا تضيعنا؛ فيرق لهم ويدع الهجرة، فبدأ الله بالآباء والأبناء والإخوان، وكذا الأصدقاء ونحوهم، وزهدهم فيه، ثم قطع علائقهم عن زخارف الدنيا.