فهرس الكتاب
وقال ابن القيم: أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة، أنه إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس له، وهي أذاهم ونيلهم له بالمكروه وهو الألم الذي لا بد أن ينال الرسل وأتباعهم ممن خالفهم جعل ذلك في فراره منه، وتركه السبب الذي يناله به: { كَعَذَابِ اللهِ } الذي فر منه فراره المؤمنون بالإيمان، فالمؤمنون لكمال بصيرتهم، فروا من ألم عذاب الله إلى الإيمان، وتحملوا ما فيه من الألم الزائل المفارق عن قريب، وهذا لضعف بصيرته فر من ألم أعداء الرسل إلى موافقتهم، ففر من ألم عذابهم إلى عذاب الله، فجعل ألم فتنة الناس بمنزلة ألم عذاب الله، وغبن كل الغبن إذا استجار من الرمضاء بالنار، وفر من ألم ساعة إلى ألم الأبد، وإذا نصر
الله جنده وأولياءه قال: إني كنت معكم، والله عليم بما انطوى عليه صدره من النفاق.
فلا ينبغي للعبد أن يخاف غير الله، ولا يصدق عليه الإيمان الشرعي إلا باعتقاد القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح، وفيه الخوف من مداهنة الخلق، والمعصوم من عصمه الله، وأن الخوف من الناس أن ينالوه بما يكره بسبب الإيمان بالله، من جملة الخوف من غير الله.
إن الخوف من الله: حصن من المهالك وحماية دون المنزلقات،والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلا محمودا، فإن تزايد على ذلك، بأن أورث مرضا أو موتا أو هما لازما بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله عز وجل لم يكن محمودا.
قال الحسن: الرجاء والخوف مطيتا المؤمن.
فإذن لا بد من الجمع بين هذه الأمور، وغلبة الخوف هو الأصلح ولكن قبل الإشراف على الموت، أما عند الموت فالأصلح غلبة الرجاء، وحسن الظن.