فهرس الكتاب
كما قال الله عنه: { إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ } [الزخرف: 26] فتبرأ من العابد قبل المعبود، وضم إلى ذلك أن اعتزلهم فلم يكن منهم بأي اعتبار كان قال تعالى: { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا } [مريم: 47] فهذا هو تحقيق التوحيد، وقد وصف الله عز وجل خليله بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وقد أمرنا بالتأسي والاقتداء به، فقال تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ } [الممتحنة: 4] .
وقد وصف جل وعلا المؤمنين السابقين إلى الجنة وأثنى عليهم بصفات حميدة ومناقب عزيزة، فقال تعالى عنهم: { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ } [المؤمنون: 57] خائفون وجلون: { وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } [المؤمنون: 58] أي يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، ثم طبع على أعمالهم الصالحة بطابع الإخلاص، وهو السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره فقال سبحانه: { وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ } [المؤمنون: 59] لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا هو الأحد الصمد، ومن كان كذلك فقد بلغ النهاية من تحقيق التوحيد الموجب لدخول الجنة
بغير حساب ومن لا فلا؛ وذلك لأن الأعمال من حيث هي لا تصح مع الشرك الأكبر فإن سلم من الأكبر فإن الأعمال لا تزكو ولا تنمو إلا بالسلامة من الشرك الأصغر.