فهرس الكتاب
والفرق بين الراقي والمسترقي: أن المسترقى سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه والراقي محسن، وإنما المراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم.
وقوله:"ولا يكتوون"أي: لا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم، وهي أعم من أن يسألوا ذلك أو يفعل بهم باختيارهم، والكي في نفسه جائز، كما في الصحيح عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى أبي ابن كعب طبيبًا فقطع له عرقًا وكواه، وكوي أنس من ذات الجنب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حي» [رواه البخاري] .
والاسترقاء والاكتواء جائزان، ولكن تركهما أفضل وأكمل في تحقيق التوحيد.
ثم قال - صلى الله عليه وسلم -"ولا يتطيرون"أي لا يتشاءمون بالطيور ولا بالشهور ونحوها، قال - صلى الله عليه وسلم -"الطيرة شرك" [رواه أبو داود] .
"وعلى ربهم يتوكلون"أي: يعتمدون على الله وحده لا شريك له في جلب المنافع ودفع المضار مع فعل الأسباب المشروعة.
والحديث لا يدل على أن المحققين للتوحيد لا يباشرون الأسباب وإنما المقصود أنهم يتركون الأمور المكروهة، كالاكتواء، والاسترقاء، مع حاجاتهم إليها لكمال توكلهم على الله عز وجل.
أما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيها، كأن يرقي الإنسان نفسه، أو يستشفي بالعسل أو الحبة السوداء، أو نحو ذلك، فليس تركه مشروعًا لقوله - صلى الله عليه وسلم:"تداووا فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله" [رواه أحمد] .
وفي الصحيح، عن ابن عباس مرفوعًا:"الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي"، وفي لفظ:"وما أحب أن أكتوي".