الصفحة 24 من 340

قال ابن القيم: قد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته، والثالث: الثناء على من تركه، والرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينها فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل وأكمل، أي: في تحقيق التوحيد، فكأن النبي صلى الله عليه سلم قال: هم الذين أخلصوا أعمالهم وتركوا ما لا بأس به، حذرا مما به البأس، وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة، فمن تركهما توكلًا لا تجلدا ولا تصبرا فهو من كمال تحقيق التوحيد، ومن تركهما تجلدًا وتصبرًا لم يكن تركه من التوحيد في شيء فضلا عن أن يكون من تحقيقه.

هؤلاء الموحدون تركوا الشرك رأسا، ولم ينزلوا حوائجهم بأحد فيسألونه الرقية فما فوقها، وتركوا الكي وإن كان يراد للشفاء، والحامل لهم على ذلك قوة توكلهم على الله، وتفويض أمورهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وصدق الالتجاء إليه، وإنزال حوائجهم به، سبحانه وتعالى والاعتماد بالقلب الذي هو نهاية تحقيق التوحيد، وهو الأصل الجامع، الذي تفرعت عنه تلك الأفعال والخصال، والحديث لا يدل على أنهم

لا يباشرون الأسباب أصلًا، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلًا على الله كالاكتواء والاسترقاء، وأما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه فغير قادح في التوكل فلا يكون تركه مشروعًا لما في الصحيحين:"ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله"وأخرج أحمد:"يا عباد الله: تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد"قالوا: ما هو؟ قال:"الهرم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت