فهرس الكتاب
ففي الحديث امتنع الرجل الآخر من التقرب لغير الله بالذبح إيمانًا واحتسابًا وتعظيمًا لله، فصبر على القتل فدخل الجنة فهذا دليل على أن التوحيد يوجب الجنة، وأن الشرك يوجب النار، كما فيه دلالة على قرب الجنة والنار قال - صلى الله عليه وسلم:"الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك"رواه البخاري.
وفي ذلك ترغيب وترهيب: ترغيب في السعي إلى الجنة، وكل ما قرب إليها وترهيب وتحذير من النار، وكل ما قرب إليها، ومنه بيان فضيلة التوحيد والصبر عليه نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار.
فالتقرب إلى غير الله شرك أكبر مهما كان الشيء المتقرب به، فإن الرجل الأول المذكور في الحديث قد قرب شيئا حقيرا لا يؤكل لكنه كان تعظيما للصنم الذي مر عليه فخلى القوم المشركون سبيله، فدخل النار، فإذا كان هذا فيمن قرب ذبابا فكيف بمن يقدم الإبل والغنم وغيرهما ليتقرب بذبحها إلى غير الله من قبر نبي، أو ولي، أو غير ذلك؟ وربما اكتفى بعضهم بذلك عن الأضحية لشدة تعظيمه لمن يعبده من دون الله.
باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
بنيت الشريعة على جلب المصالح ودرء المفاسد، وسدت كل الوسائل والطرق والأبواب التي قد تفضي إلى المنكرات والمحرمات فمنعت مشابهة المشركين في الظاهر، لأنها تورث المحبة في الباطن، وفي هذا الزمن ظهر هذا الأمر وانتشر، واستشرى واستفحل، مع تحذير النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا الأمر الخطير.
ومن ذلك تحريم الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، لأن ذلك فيه مشابهة ومضارعة للمشركين ظاهرة في المكان، وهو منهي عنه، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد:"من تشبه بقوم فهو منهم"ولو قصد الذابح وجه الله؛ لأنه إحياء للمحل الشركي، وتعظيم له، فيكون وسيلة إلى وجود الشرك ورجوعه، وسد الذرائع من أهم ما جاءت به الشريعة، بل لا يجوز بعدا عن الشرك ومواضع الغضب.