الصفحة 42 من 43

ظهر لنا مما تقدم تطابق أقوال الأئمة الأربعة , واتفاقها لأن عقيدتهم واحدة , ما عدا مسألة الإيمان التي انفرد بها الإمام أبوحنيفة . ومع ذلك قيل إنه رجع عنها .

فهذه العقيدة هي الجديرة بأن تجمع المسلمين على كلمة سواءٍ وتعصمهم من التفرق في الدين لأنها مستمدة من كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم , فقليل من الناس من يفقه عقيدة هؤلاء الأئمة ويعرفها حق المعرفة ويفهمها حق الفهم فقد شاع أن هؤلاء الأربعة مفوضون لا يعرفون من النص إلا مجرد قراءته وكأن الله ما أنزل الوحي إلا عبثا .

وقد قال تعالى ( كتابٌ أنزلناه مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) (1)

وقال تعالى ( وإنه لتزيل ربُّ العالمين نزلّ به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذزين بلسان عربي مبين ) (2)

وقال تعالى ( إنّا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون ) (3)

فالله تعالى أنزل الكتاب لتدبر آياته والاتعاظ به , وأخبر أنه أنزله بلسان عربي مبين ليعقل الناس معناه ويفهموه , وإذا كان الله نزله لتدبر آياته بلسان عربي مبين فإنه يلزم أن يكون معناه مُيسرًا علمه لمن نزل إليهم بمقتضى ذلك اللسان , ثم إنه لو لم يكن معناه يمكن علمه لكان إنزاله عبثًا إذ لا فائدة من كلمات تنزل على قوم هي عندهم بمنزلة الحروف المهملة التي لا معنى لها ,

فهذا القول جناية على عقيدة الصحابة والتابعين والأئمة من بعدهم ورمي بها هم منه براء . فهم يعرفون معاني نصوص الوحي ويفقهونها لقربهم من عهد النبوة , بل هم أحق الناس بذلك وهم يتعبدون لله بعبادات فهموها من دلالة الكتاب والسنة واعتقدوها حقًا وشرعًا من عند الله تعالى , فإذا فهموا الطريق الموصل لمعبودهم فكيف لا يعرفون معبودهم بصفات الكمال ولا يعقلون معاني النصوص التي عرف الله بها عباده بنفسه .

(1) سورة ص 29

(2) سورة الشعراء 192-193-194-195

(3) سورة يوسف 2

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت