الصفحة 1 من 302

[ كتاب الحج ]

لفضيلة الشيخ العلامة الإمام

أبي عبد الله محمد بن صالح العثيمين

"رحمه الله"

( 1347هـ ـ 1421 هـ )

قام بإعدادها

مجموعة من طلاب العلم

غفر الله لهم ولوالديهم ولمشايخهم

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد:

فإنا نقدم لإخواننا طلاب العلم تعليق فضيلة الشيخ /

محمد بن صالح العثيمين

رحمه الله

على عدة كتب من صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري"رحمه الله"، وهي كتاب الحج ، وكتاب العمرة ، وكتاب المحصر ، وكتاب جزاء الصيد ، وكتاب فضائل المدينة . ولم يتمه رحمه الله إذ وقف فيه على باب (من رغب عن المدينة) في السادس والعشرين من شهر صفر من عام واحد وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة . وقد بدأ الشيخ رحمة الله عليه بهذا التعليق في الرابع والعشرين من شهر شعبان من العام العشرين بعد الأربعمائة والألف من الهجرة .

نسأل الله أن يجزي شيخنا خيرًا ، وأن يغفر له ولوالديه ولجميع المسلمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

كتاب الحج (1)

(1) قبل أن ندخل في مواضيع الأحاديث نحب أن نُعطي قواعد:

أولًا: الحج ركن من أركان الإسلام ، والدليل: متى فُرض الحج ؟ في السنة التاسعة ، ما الدليل ؟ قوله تعالى: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا } وهذه الآية نزلت في السنة التاسعة ؛ لأن صدر آل عمران كله نزل في السنة التاسعة .

قال بعض الناس إنه فُرض في السنة السابعة ، ما دليلهم ؟

طالب: دليلهم قوله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله }

الشيخ: وهل هذا الاستدلال صحيح ؟

الطالب: غير صحيح .

الشيخ: غير صحيح ، ما وجهه ؟

الطالب: وجهه هذا أمرٌ للإتمام وليس أمرٌ للابتداء .

الشيخ: نعم ، ويؤيد ذلك أن فتح مكة كان في السنة الثامنة ؟

طالب: السنة الثامنة ، وليس من الحكمة أن يُفرض الحج ومكة لا يزال يسيطر عليها المشركون .

الشيخ: نعم تمام، ولهذا صدوا النبي صلى الله عليه وسلم عن العمرة .

ثانيًا: الحج له شروط ، والشروط ـ كما يُعلم من الشريعة الإسلامية ـ الشروط هي عبارة عن ضبط الواجبات والتكليفات ؛ لأنه لو بقيت التكليفات بلا شروط صار فوضى ، فالشروط في الواقع من تمام الشريعة . وقول بعض المُحْدَثين: ( إن هذه الشروط والأركان والواجبات المفصلة هذه بدعة ) فنقول: ليست ببدعة ، هذه وسائل لضبط الشريعة وتقريبها للمكلفين ، وكونها شروطًا أو واجبات أو أركانًا ، هذا أيضًا من انضباط الشرع نفسه حتى لا يبقى الناس في فوضى ، لذلك أثبت العلماء ـ رحمهم الله ـ بما يكاد يكون إجماعًا قبل هؤلاء المُحْدَثين بإثبات الشروط والأركان والواجبات، وإن كانوا يختلفون هذا شرط أو ركن أو واجب ، هذا شيء آخر ، المهم المبدأ موجود ، ولا ينبغي أن نعترض على سنة العلماء ، ولا ينبغي أن نعترض على أمر يجعل الله تعالى فيه تسهيلًا لحفظ الشريعة وإتقانها وانضباطها .

الحج له شروط منها:

الشرط الأول: الإسلام ، وهذا شرط في جميع العبادات ، كل العبادات لابد فيها من الإسلام ؛ لأنه إذا لم يكن مسلمًا فليس مقبولًا عند الله عز وجل قال الله تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } وقال عز وجل: { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله } مع أن نفقاتهم نفعها متعدي ومع ذلك لا تُقبل .

الإسلام شرط في جميع العبادات ، حتى في الوضوء ؟ حتى في الوضوء ، فلو أن كافرًا توضأ ثم منّ الله عليه فأسلم قلنا لابد أن تُعيد الوضوء إذا أردت الصلاة ؛ لأن وضوءك الأول وقع وأنت في حال الكفر فلا يصلح .

الشرط الثاني: العقل ، فالمجنون لا حج عليه ، وهذا شرط في جميع العبادات ما عدا الزكاة ، فالزكاة ليس من شرطها العقل ؛ لأن وجوبها في المال، كما قال تعالى: { والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم } وقال عز وجل: { خذ من أموالهم صدقة } ، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ بن جبل: (( أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترجع على فقرائهم ) )ولأن الفقير لا تتعلق نفسه بالفاعل تتعلق بالمال ، سيقول الفقراء: أين نصيبنا من هذا المال ؟ فلذلك لا يشترط في وجوب الزكاة العقل .

الشرط الثالث: البلوغ، وهذا شرط للوجوب وليس شرطًا للصحة ، أما كونه شرطًا للوجوب فللحديث المشهور الذي تلقاه الناس بالقبول: (( رُفع القلم عن ثلاثة ) )وذكر منهم الصبي حتى يكبر . وأما كونه ليس شرطًا للصحة فلحديث ابن عباس رضي الله عنهما في المرأة التي رفعت الصبي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: (( نعم ولك أجر ) )إذًا من شرط وجوب الحج ماذا ؟ البلوغ ، طيب البلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة: تمام خمس عشرة سنة ، والثاني إنبات شعر العانة ، وهو الشعر الخشن الذي يكون حول القُبل ، والثالث إنزال المني بشهوة ، هذه ثلاثة ، تزيد المرأة بالرابع وهو الحيض فمتى حاضت ولو لم يكن لها إلا تسع سنوات فهي بالغة .

الشرط الرابع: الحرية ، وهذا شرط في كل عبادة اشترط فيها التملك، تملك المال ، فالزكاة مثلًا لا تجب على العبد لأنه ليس له مال ، والحج لا يجب على العبد لأنه ليس له مال ولأن العبد مشغول بخدمة سيده ، فلو ألزمنا عليه الحج للزم من ذلك إما تأثيمه وإما تأثيم سيده ، إما تأثيمه إن حج بلا إذن سيده ، وإما تأثيم سيده إن منعه . فلهذا نقول لا حج عليه حتى يسلم هو من الإثم وكذلك سيده .

فإن قال قائل: أرأيتم لو أن سيده أذن له وأعطاه المال ، أو أذن له وهو في مكة وأمكنه أن يحج على قدميه ، هل يلزمه الحج أو لا ؟ المشهور من المذهب لا ، حتى لو أذن له سيده ولو أعطاه المال يحج به ، أو كان لا يحتاج إليه وهو في مكة فإنه لا يجب عليه الحج ؛ لأن الحرية وصف لابد من ثبوته في وجوب الحج . والصحيح أنه يجب عليه الحج في هذا الحال ؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا ، فالآن هذا قادر والله عز وجل يقول: { من استطاع إليه سبيلًا } وهذا مستطيع . فسيده يقول أهلًا وسهلًا أنا أساعدك . فماذا يكون بعد ذلك ؟

الشرط الخامس: الاستطاعة ، وقد ذكرها الله تعالى في قوله: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا } ونص الله عز وجل على الاستطاعة في الحج مع أن هذا شرط في جميع الواجبات ؛ لأن الحج غالبًا يكون فيه مشقة ، الغالب يكون فيه مشقة لأن أكثر الناس خارج مكة وبعيدون عن مكة فتلحقهم المشقة لاسيما في الزمن الأول لما كان الناس يحجون على أقدامهم أو على إبلهم مشقة ، فلهذا نص الله تعالى على الاستطاعة مع أنها شرط في جميع الواجبات . والاستطاعة نوعان:

استطاعة بالمال فقط ، أو بالبدن فقط ، أو بهما جميعًا ، فهي ثلاثة أقسام . إذا كان عنده استطاعة بماله وبدنه مع بقية الشروط وجب عليه الحج ولا إشكال ، إذا كان عنده استطاعة بماله دون بدنه ، هو يبذل بماله لكن ما يبذل ببدنه سقط عنه الوجوب البدني لأنه ما يستطيع ووجب عليه بذل المال ، فيُقيم من يحج عنه ويعتمر . وإذا كان عاجزًا بماله قادرًا ببدنه يجب عليه ؟ قادر ببدنه قريب أو بعيد إنسان شجاع قوي يجب أو لا يجب ؟ الله المستعان ، أين أنتم ؟ أين فقهكم ؟! { من استطاع إليه سبيلا } هل هذا مستطيع أو لا ؟ إنسان قوي شجاع إذا رآه الذئب هرب منه وإذا رآه الواحد من الناس هرب ، ما يخاف على نفسه هو قوي ، يجب عليه أو ما يجب ؟ يجب يا أخوان يجب { من استطاع إليه سبيلًا } لو كان في الكويت أو وراء الكويت بعد يجب ؛ لأن عندنا آية من كلام الله عز وجل ما هي من كلام فلان وفلان { من استطاع إليه سبيلًا } واضح ؟

طيب إذا كان غير قادر لا بماله ولا ببدنه إيش ؟ يسقط عنه ما فيه إشكال ؛ لأن الله اشترط للوجوب الاستطاعة . وهل الاستطاعة الشرعية شرط للوجوب أو شرط للأداء ؟ انتبه هل الاستطاعة الشرعية شرط للوجوب أو شرط للأداء ؟ مثال ذلك: امرأة غنية قادرة ببدنها لكن لم تجد محرمًا ، هي الآن قادرة قدرة حسية لكنها شرعًا غير قادرة لماذا ؟ لأنها ما لها محرم ، وهي ممنوعة شرعًا من السفر ، فهل يجب عليها أن تحج أو لا يجب ؟ نقول: أما ببدنها فلا يجب وأما بنائبها فيجب لأنها قادرة ، ولكن المذهب عند الحنابلة أن ذلك شرط للوجوب . وعلى هذا فيشترط لوجوب الحج القدرة الشرعية والحسية ، وبذلك نُطمئن أخواتنا اللاتي يتكدرن ويحزن إذا لم يكن عندهن محرم ونقول أبشرن لو لقيتن الله بلا حج فليس عليكن شيء ، لماذا ؟ لأن الحج لا يجب عليهن ، كما أن الفقير إذا لقي ربه وهو لم يزكي هل عليه شيء ؟ ما عليه لأنه ما عنده مال . فالحمد لله على نعمه ، يعني ينبغي أننا نُطمئن النساء لأن بعض النساء تحزن حزنًا شديدًا حتى إن بعضهن تعصي الله وتحج بلا محرم . سبحان الله كيف تتقرب إلى الله بمعصيته ؟ هذا غلط عظيم وسفه . فهذه شروط وجوب الحج ، قال الناظم في هذه الشروط:

الحج والعمرة واجبان في العمر مرة بلا توان

بشرط إسلام كذا حرية عقل بلوغ قدرة جلية

وقوله: ( بلا توان ) يعني يجب على الفور أن يؤدي الحج ، انتبهوا هذه نقطة مهمة أيضًا ، هل إذا قدر الإنسان على الحج يجب عليه أن يحج فورًا أو هو على التراخي ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة ، فمنهم من قال على التراخي لأن العمر كله وقت للحج . فكما إن الإنسان في الصلاة له أن يصلي في أول الوقت وفي آخر الوقت ، هؤلاء يقولون الحج لا يجب في العمر إلا مرة إذًا فالعمر كله وقت له . وأيضًا يقولون: إن الله فرض الحج في السنة السادسة أو السابعة ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم إلا في العاشرة . لكن هذا القول ضعيف ، أما من حيث الدليل فقد عرفتم أن الدليل يدل على أن الحج إنما فُرض في السنة التاسعة ، ولكن حتى على هذا القول يقولون: عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يحج في السنة التاسعة أخره إلى العاشرة . فنقول: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخر الحج لمصلحة عظيمة تفوت لو حج ولا يفوت الحج لو أخره ، وهي استقبال الوفود الذين يفدون إلى المدينة مسلمين ليتعلموا أحكام دينهم من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأيضًا في تلك السنة ـ السنة التاسعة ـ كان في الحجاج خليط من المشركين ؛ لأن فتح مكة قبل ذلك بسنة فحج كثير من المشركين ، فأراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يكون حجه إيش؟ خالصًا للمؤمنين ، ولذلك في ذلك العام عام تسع أذَّن المؤذن يعني أعلن المُعلن أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريانًا .

والصواب هو أن الحج واجب على الفور من حين أن تتم شروط الوجوب ، وقد عرفتم بطلان استدلالهم بالآية: { وأتموا الحج والعمرة لله } وعرفتم بطلان استدلالهم بتأخير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الحج عن السنة التاسعة . أما قولهم: إن الحج لا يجب في العمر إلا مرة فالعمر كله وقته فيجوز في أوله وآخره . فيقال: من الذي يضمن أن تبقى قدرة الإنسان على الحج ؟ أليس ممكن أي يُمرض ، ويمكن أن يُسلب المال ، ويمكن أن تكون الطريق مخوفة ، ويمكن أن يموت ، كل هذا ممكن ، فكيف يؤخر ما أوجب الله عليه بعد أن أنعم الله عليه بتوفر الشروط ؟ فالصواب إذًا أنه يجب على الفور .

فإذا قال قائل: الحج عرفنا أنه ركن من أركان الإسلام لكن ما هي الحكمة وما هو الذي يفيد القلب من هذا الحج ؟ قلنا: الحكمة تعظيم الله عز وجل بتعظيم أعظم بيت في الأرض وهو الكعبة كما قال عز وجل: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين } وتعظيم الأماكن من تعظيم الساكن، ومعلوم أن الله فوق كل شيء لكن على حد قول الشاعر: أمر على الديار ديار ليلى ـ وضمير أمر يعود على مجنون ليلى ـ يقول:

أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدار

مجنون .. يمشي على الجدار يقبله والجدار الثاني يقبله والجدار الثالث والرابع .

.أقبل ذا الجدار وذا الجدار

وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار

المهم أن في الوفود على بيت الله عز وجل تعظيم لله تعالى لا يخفى ، وبالنسبة لنا اتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتأس به ، ونعم الأسوة صلوات الله وسلامه عليه ، ولهذا لما قبَّل عمر الحجر قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك . لله در عمر ، حتى لا يقع في قلب أحد تعظيم الأحجار وتعظيم الآثار كما ابتُليت به الأمة في الوقت الحاضر إلا من عصم الله ومعلوم أنه لولا أن الله شرع لنا أن تعبد له بهذه العبادة وأن نتأسى برسوله صلى الله عليه وسلم فيها ما ذهبنا إليها . وإلا فقد يقول قائل: ما الفائدة من أن تأخذ سبع حصيات وترميها في مكان معين ؟ الفائدة التعبد لله قبل كل شيء والتأسي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( إنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله ) )هذا هو الحكمة ولذلك تجد الناس إذا أتوا هذه المشاعر العظيمة بإخلاص لله وتأسٍ برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يزداد إيمانهم واسأل الناس من قبل تجد طعمًا لذيذًا في الحج، في الوقت الحاضر الحج جهاد وتبين صدق الحديث وهو متبين من قبل (( عليهن جهاد لا قتال فيه ) )الآن الذين مثلًا يطوفون تجد الواحد قلبه مشغول بإيش ؟ بالحياة والموت ، هل يخرج سالمًا أو لا ؟ فيفقد الطمأنينة والخشوع الذي كان من قبل ولكن يجب أن يوطن الإنسان نفسه على أنه في عبادة وأن هذه المشقة التي تأتيه في العبادة ما هي إلا رفعة لدرجاته وتكفير لسيئاته والأجر على قدر المشقة ، وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعائشة: (( أجرك على قدر نصبك ) ).

كذلك في رمي الجمرات رامي الجمرات هو بين الحياة والموت وبين الأذية والتأذي لكن ماذا يصنع ؟ لولا أنه يعتقد أن هذا عبادة لله عز وجل واتباع لرسول الله ما فعل ، لكن في الأول ـ أنا أثرت البقية ـ تجد الناس في طمأنينة يعني أدركنا الناس يذهبون للجمرات أما في المطاف فالمطاف أقل من هذا في الأول ومع ذلك لا يمتلئ تقدر تقبل الحجر الأسود في كل شوط في أيام الحج في الموسم ، في الجمرات تجد الناس قليلين جدًا يعني ننزل عند مسجد الخيف في خيمتنا وتجد الخيمة الثانية بعيدة عنا والثالثة بعيدة ، وفي نفس منى أكوام من الحطب يعني ما في كهرباء ، حطب أكوام كأنك في أسواق الحطب ، ونحن في مسجد الخيف نشاهد الناس يرمون الجمرات ما في بناء ولا سيارات ولا زحام ولا شيء ، يذهب الإنسان في طمأنينة وهدوء وتكبير وتلبية قبل جمرة العقبة ، ويجد يعني سبحان الله طعمًا لذيذًا للحج .

لكن كما قلت لكم إن تعب الناس اليوم مع الاحتساب يزدادون به أجرًا؛ لأنه كلما كانت المشقة في العبادة على وجه لا يمكن دفعها صار الأجر أكبر أما إذا كان يمكن دفعها لا مثل ما يفعل بعض الناس مثلًا يكون الجو باردًا والماء باردًا وتقول له سخن الماء قال: لا من الرباط إسباغ الوضوء في السبرات .. الله أكبر ، الله يقول: { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } وإذا أنعم الله عليك فتمتع بنعمه ، نعم الشيء الذي لابد منه يأتي بغير قصد هذا يؤجر الإنسان عليه أما أن يتقصد العذاب فلا.

أيضًا من حِكَم الحج أنه جامع بين العبادة البدنية مع مشقتها والعبادة المالية أحيانًا ما هو دائمًا ؛ لأن الذين يحجون من مكة لا يتكلفون مالًا ليس عليهم هدي ويأكلون الطعام العادي يأكلونه في مكة في المشاعر ما في كلفة يعني ما في مال زيادة ، لكن نفس المشقة البدنية والتعب القلبي لاشك أن هذا فيه امتحان للعبد ؛ لأن الله عز وجل يمتحن العبد بكثرة المشقات إذا كان صادقًا في إيمانه وإخلاصه ومحبته لملاقاة ربه على وجه يرضيه يتحمل ، والعكس بالعكس ، فلتمام الامتحان جعل الله العبادات الخمس مختلفة: بدنية محضة، ومالية محضة ، ومركبة منهما أحيانًا ، ثم العبادة إما فعل وإما ترك ، الصوم ترك المحبوب ، والزكاة بذل المحبوب ، كل هذا ليبتلي الله العبد هل يعبد هواه أو يعبد مولاه ؟ على حسب ما يصدر منه .

ومن منافع الحج أن الناس يتعارفون ويتآلفون ، وإن كان هذا مع الأسف بالنسبة للوقت الحاضر قليل جدًا ، وإلا لو اُستُغل هذا المجتمع وهذا الجمع فيما ينفع المسلمين لكان لهذا أثر عظيم ، لكن المشكلة الآن المسلمون لغاتهم مختلفة أم لا ؟ تعجز أن تُعبر بما في نفسك لواحد لا يعرف لغتك لا تستطيع ، كيف توصل معلوماتك إلى هذا ؟ يمكن أن يقال يوصل بالمترجم، المترجم إذا كان بلية إيش نسوي ؟ مشكل ، أُحدثكم عن نفسي أننا نتكلم في مسجد المطار في جدة ، نتكلم كلام يعني غالبه في التوحيد وأركان الإسلام وجاءني رجل وقال: كلامك طيب . ولا أحب أن أقول من أي جهة هو لكن هو من أفريقيا بس ما نقدر نقول شيئًا ، قال: كلامك هذا طيب زين أتأذن لي أن أترجمه ؟ أنا شفت هيئته يعني هيئة إنسان يعني محترم قلت: طيب لا بأس ، فجعلت أتكلم وهو يترجم نهينا ما شاء الله فدخل رجل آخر من الشارع من خارج المسجد فقال لي: ما هذا المترجم الذي عندك ؟ قلت: هذا جزاه الله خيرًا تبرع . قال: لا ، إنه يترجم ضد كلامك أنت تقول توحيد وهو يقول شرك . سبحان الله من نصدق هذا الآن ، نصدق الأول أو الثاني ؟ فقلت إذًا خلاص بطلنا الذي بيعرف العربية فالحمد لله ، والذي ما يعرفها هو الذي جنى على نفسه وتركنا الترجمة .

فأقول يعني إن هذا المجتمع العظيم لو كان الناس لهم مترجمون يتصلون بهؤلاء الأجانب ولاسيما الكبراء كالعلماء لكان الخير كثير .

أيضًا يمنع هذه المنفعة العظيمة أن من الناس من هو متعصب لمذهبه سواء فيما يتعلق بالتوحيد أو فيما يتعلق بالأعمال تجده متعصبًا جدًا لمذهبه ما يقبل ، وهذه مشكلة الآن يعاني منها الناس الدعاة ، يقابل هذا أن من الدعاة من هو صلب جدًا جدًاَ ، ولا يبالي أن يقول هذا كافر اتركه في نار جهنم، أو يدعو بالحكمة ، ومن الناس من هو لين لكن ليس عنده علم يُغلب. فهي مشكلة .

في مرة من المرات ولا بأس أن نذكر ما نُشنف به آذانكم ، في مرة من المرات جاءنا فريقان وهم أيضًا من الغرب ، جاءنا فريقان يكفر بعضهم بعضًا ، وأتوا إلى مدير رجال التوعية وكلمهم وجاء بهم لي ، إيش عندكم ؟ قال: كل واحد يُكفر الثاني ويلعنه والعياذ بالله . لماذا ؟ واحد منهم إذا قام في الصلاة يُرسل اليدين ، طائفة تُرسل يديها والثانية لا تُرسل تُمسك ، قال: هذا كافر . ليش ؟ قال: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( من رغب عن سنتي فليس مني ) )وهذا رغب عن سنة الرسول . والآخرون قالوا مثله . هذا مشكل ، الجهل ، لكن الحمد لله يعني بعد البحث والمناقشة وقلنا إن هذه المسألة يسيرة لا توجب التكفير حتى لو تركها الإنسان عمدًا .

المهم قصدي بهذا إن الناس متعصبون ، فالتعصب هذا مُشكل وإلا لكان الحج مؤتمر عظيم للمسلمين ، قال الله تعالى: { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } لكن الحمد لله أنتم وأمثالكم فيكم بركة ، يمكن تدعون الناس في الحج من قُدر له أن يحج بالتي هي أحسن وباللين وباللطف ، تقصدون بذلك الأجر لنفسكم والأجر لهؤلاء المساكين الذين ليس عندهم من يرشدهم ، ويحصل بهذا خيرٌ كثير والحمد لله .

سؤال: يا شيخ بارك الله فيك ، بالنسبة للدعوة مثلًا في مكة هل يتكلم الإنسان على مناسك الحج أو يخصص الدعوة في التوحيد خاصة ؟

الجواب: أرى أن يُكلم الناس في الحج ، ومناسك الحج فيها التوحيد ، حديث جابر رضي الله عنه ماذا قال ؟ قال: حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك . فيأتي ضمنًا لأنك تعرف الآن هناك دعوة سيئة أو دعاية على أن من دعا إلى التوحيد فهو وهابي ، ما يعرفون أن هذا مذهب السلف ، والوهابية عند كثير من عوام المسلمين في الخارج مذهب ممقوت ؛ لأنهم ما يدرون .

سؤال: هل العمرة واجبة على أهل مكة ؟

الجواب: العمرة ظاهر النصوص أنها واجبة على كل أحد ، لكن كثيرًا من العلماء يقولون: أهل مكة لا عمرة لهم لأنه لم يُعهد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يخرجون من مكة إلى الحل ويأتون بالعمرة ، والأظهر أنها واجبة على كل أحد .

سؤال: أثابك الله ، يكون عند الإنسان أبناء أو أخوان قد وصلوا لسن البلوغ يريد أن يحج ويؤدي الفرض ، لكن يا شيخ غالبًا ما يكون الشباب في هذا العمر بعيدين عن معرفة الحج والإحساس به ولهذا تجد أن أغلبهم يُقلدون من معهم ولهذا إذا كبر الواحد منهم قال أريد أن أحج أنا حججت لكن ما أعرف كيف حججت ذاك العام ، وهذا قريب بما أحسسنا به نحن في أول حجة للإنسان ، فهل نؤخره سنة أو سنتين حتى يرسخ عقل الواحد منهم ويتعلم الحج ويكون حجه هذا بحرص منه ؟

الجواب: والله إنشاء الله هذا لا بأس به لأن هذا تأخير لمصلحة العبادة فأرجوا أن لا يكون به بأس إن شاء الله ، مع أن الأمر كما ذكرت أكثر الناس الآن بالنسبة للحج خاصة ما كأنه عبادة كأنه بس أعمال تُفعل ، ولهذا تجدهم لا يهتمون بمسألة الأذية للغير ولا بمسألة الخشوع ، حتى في مخيماتهم في منى مثلًا لو دخلت عليهم وجدتهم كأنهم في نزهة ، لكن ما ذكرته أرجو أن لا يكون فيه بأس إذا كان التأخير من أجل إيش ؟ من أجل مصلحة العبادة . ثم هناك شيء آخر يخفف الموضوع أن هؤلاء الغالب ما عندهم مال ليس عندهم مال فالحج ليس واجبًا عليهم ، ووليهم لا يلزمه أن يحججهم ، فهمت ؟ هذا أيضًا مما يخفف المسألة .

سؤال: يا شيخ بارك الله فيكم ، هل يجب على المرأة أن تبيع من حليها لتدفع نفقة الحج لها ولمحرمها ؟

الجواب: لا .. يقول هل يجب على المرأة أن تبيع من حليها لتحج به؟ نقول لا يجب ، اللهم إلا الزائد الذي لم تجرِ العادة بتجملها به فهو كطالب العلم الذي عنده كتب يحتاجها وعنده كتب أخرى إما مكررة أو لا يحتاجها .

سؤال: عفا الله عنك يا شيخ، هل يجوز للشيخ الكبير الذي أتى للحج ويجد مشقة في الطواف والسعي أن يستنيب من يقوم بأعمال الحج عنه ؟

الجواب: يجب عليه أن يحج بنفسه لأن هذه مشكلة ، الطواف الحمد لله الآن في عربات يركبها الإنسان ويُدف وإن لم يحصل له في الأسفل ففي فوق ، عرفت ؟ وكذلك يقال في السعي ، والرمي يوكل ، وهذا خير من كونه يستنيب في كل النُسك . أما الاستنابة في النفل فهذه موضع شك بالنسبة لي أنا ، وموضع منع في إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله ، يقول: النفل ما فيه نيابة لأن النيابة إنما حصلت في الفريضة أما النفل فمن استطاع فليحج ومن لم يستطع فلا ينيب ، أفهمت ؟ ولهذا نرى أن الإنسان الذي يريد أن ينيب أحدًا في النافلة أن لا يفعل ، بل يتلمس أحدًا من الناس لم يحج الفريضة ويعينه فيها ، ومن أعان غازيًا فقد غزا .

سؤال: يقولون خاصة بعد تناقل الفضائيات لصور الحج إلى آخره في العالم فبعض النصارى يثيرون شبهة على المسلمين في بعض الأماكن أنكم تدَّعون التوحيد بينما تطوفون حول حجارة .. إلى آخره ؟

الجواب: الحمد كل إنسان عنده باطل لابد أن يثير شبهة ، نقول: نحن ما طفنا حول الكعبة إلا بأمر الله ، وإذا طفنا بالكعبة وهي أحجار بأمر الله صار هذا غاية العبادة ؛ لأن الغالب أن النفس ما تنقاد إلا لشيء تلمس فائدته حسيًا وهذا من الناحية الحسية ما فيه فائدة ، لكن من الناحية المعنوية ومصلحته للقلب والنفس والسلوك أمر واقع ، فنقول لهم نحن لم نطف حول الكعبة ولا بين الصفا والمروة ولا خرجنا للمشاعر إلا بأمر الله ، لكن أنتم أين لكم الأمر من الله ؟ وكذلك نقول للقبوريين ، الآن القبوريون الذين يدعون الإسلام وهم يطوفون على القبور يقولون مثل هذه الشبهة ، الجواب سهل والحمد لله .

سؤال: من ليس عنده استطاعة شرعية كالمرأة التي ليس عندها محرم هل يجب عليها الحج في مالها أو لا ؟

الجواب: لا يجب عليها أبدًا لا في مالها ولا في بدنها ، إذا قلنا بأن الاستطاعة الشرعية شرط للوجوب ما ,جب عليها .

السائل: وهل هو الصحيح ؟

الجواب: والله هذا هو الظاهر عندي .

سؤال: أحسن الله إليك ، أمثال هؤلاء الذين يأتون إذا بدأت معهم في مناسك الحج أو الصلاة غالبهم يعني يقبلون بعد ذلك دعوتك للتوحيد ، لكن بعض الدعاة يشددون يقولون إنك إذا بدأت بمناسك الحج قبل التوحيد خالفت منهج الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: (( ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله )

الجواب: أحسنت ، هذه شبهة وليست بحجة ، إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمن لقوم مشركين يعرفون أنهم على شرك ، لكن هؤلاء القوم الصوفية وما أشبههم يعتقدون أنهم مسلمون على دين ، فكيف نذهب لنهج ما يعتقدون أنه هو الدين ، بينهما فرق ، يعني الكلام لو كنا نريد أن ندعو قومًا مشركين ، ما نقول تعالوا صلوا لأنهم لو صلوا ما نفعهم، لكن نحن ندعوا قومًا يقولون أنهم مسلمون ، فهل نأتي بشيء بارد على قلوبهم يمكنهم أن يحبونه ويألفونه ثم بعد ذلك نتكلم فيما هم عليه من الضلال أو نطب طبًا على ما هم عليه مثلًا ؟ في ظني أن هذا أولى أننا نُحدثهم بما يتفق معهم ، واضح ؟ هذا جواب على من ذكر ؟

سؤال: إذا كانت المرأة ليس لها إلا محرمًا واحدًا ورفض أن يحج معها هل يأثم أو لا يأثم ؟

الجواب: لا .. ما يأثم { ولا تزر وازرة وزر أخرى } يسقط عن المرأة لكن لها مثلًا أن تقريه بالماء لأن نفقته عليها ، فإذا كانت تستطيع تعطيه النفقة ويحج بها .

سؤال: أحسن الله إليك يا شيخ ، إذا حج شخص ووالده ليس راضٍ عنه فهل يحج ؟

الجواب: فريضة أو نافلة ؟

السائل: نافلة .

الجواب: هذه تنبني على مسألة متى تجب طاعة الوالد ، هل تجب في كل شيء أو لا ؟ فنقول إذا نهاه والده عن الحج النافلة إذا كان والده يحتاج إليه فيجب عليه أن لا يحج يبقى عند والده وإذا كان لا يحتاج إليه نظرنا أيضًا ، هل هو يخاف عليه ، على الولد في عرضه أو في شيء آخر ؟ يعني خوفًا حقيقيًا لا وهميًا فيجب عليه طاعة أبيه ، أما إذا كان بعض الناس لا يريد أن يذهب والدهم مع الشباب الصالحين ، أو يخاف عليه خوفًا وهميًا فله أن يحج بلا إذن ، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا تجب طاعة الوالدين إلا فيما فيه نفع لهما بدون ضرر للغير ، وهذه قاعدة طيبة ، ما فيه نفع وليس فيه ضرر .

سؤال: يا شيخ أحسن الله إليك ، بعض العوام يرمي الجمرات لكن لا يقيم ذكر الله أحسن الله إليكم ، إنما يرميها باللعن والسب للجمرات يعتقد هذه الجمرات شيطان فيلعنه ويسبه إلى أن ينتهي من الجمرات ؟

الجواب: هذا من الجهل .

السائل: هل ينعقد هذا الرمي ؟

الجواب: الرمي صحيح لأنه حصل رمي الجمرات ، لكن هذه العقيدة باطلة وإلا سمعنا من يرمي ويشتم ويقول أنت الذي فرقت بيني وبين زوجتي وما أشبه ذلك من الكلام السخيف ، ورأيت بعيني قبل الزحام الشديد هذا قبل سنوات رجلًا وامرأة في وسط الحوض حوض جمرة العقبة والناس يرمون الحوض ويرمون الرجل والمرأة ، لكنه صادق وكأني به يقول:

هل أنت إلا إصبع دميتي وفي سبيل الله ما لقيتي

يرمونه وهو ساكت ، سبحان الله .ا.هـ.

ش1 ـ وجه ب:

ذكرنا الشروط والضوابط ، وتكلمنا أيضًا عن الآية الكريمة لكن الحج كغيره من العبادات له شروط وضوابط ، هذه الشروط والموانع هذه دليل على حكمة الله عز وجل في الشرع ، وأن الشرع على أتم نظام وأكمله ، لو كانت المسألة فوضى ما في شروط ولا في موانع لاختلف الناس لكن لابد من شروط تضبط الشرائع والشعائر ، من شروط الحج ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأحاديث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت