الصفحة 246 من 302

1 ـ بَاب جَزَاءِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهِ

وَقَوْل اللهِ تَعَالى: ( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلكَ صِيَامًا ليَذُوقَ وَبَال أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ أُحِل لكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لكُمْ وَللسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَليْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللهَ الذِي إِليْهِ تُحْشَرُونَ ) (1)

(1) قال البخاري رحمه الله: ( باب قول الله تعالى: لا تقتلوا الصيد ) حذف أول الآية والأولى ذكرها: { يا أيها الذين آمنوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } جملة ( وأنتم حرم ) حال في موضع نصب ، والمعنى: وأنتم في حال حرمه وهذا يشمل من أحرم بحج أو عمرة ومن كان داخل حدود الحرم وإن كان محلًا . والمراد بالصيد كل حيوان حلال بري متوحش ، كل حيوان حلال بري يعني بحسب الأصل ، متوحش . فخرج بذلك الحرام فهذا لا يحرم على المحرم قتله . ومنه ما هو مأمور بقتله كالخمس الفواسق، وخرج بقولنا بري البحري ، فالبحري لا يحرم سواء كان في الحرم أو خارج الحرم وسواء كان الإنسان محلًا أو محرمًا ، حلال لقوله تعالى: { أُحِل لكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لكُمْ وَللسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَليْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } .

الشرط الثالث: متوحش أصلًا ، يعني ليس أليفًا يعيش مع الناس في دورهم وأماكنهم احترازًا من الدجاج وشبهه فإنه حلال بري لكنه ليس متوحشًا . هذا هو الصيد . ( وأنتم حرم ) قلنا أي محرمون أو في الحرم ولو محلين .

( وَمَنْ قَتَلهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ ) أي فعليه جزاء ، ( من قتله منكم متعمدًا ) أي متعمدًا قتله ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) وخرج بذلك من قتله غير متعمد كمن قذف حجرًا فأصاب صيدًا فهذا لا شيء عليه لأنه غير متعمد . وهل المراد متعمدًا للإثم أو متعمدًا للقتل ؟ الصواب أنهما جميعًا متعمدًا للقتل ومتعمدًا للإثم ، فلو قتله غير متعمدًا للإثم إما ناسيًا وإما جاهلًا يحسبه من الصيود المباحة وإما جاهلًا لمكانه يحسب أنه في الحل وهو في الحرم فالصواب أنه لا جزاء عليه ، والدليل قوله تعلى: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } فقال الله: (( قد فعلت ) )فالصواب متعمدًا للفعل والإثم ، والناسي ليس متعمدًا للإثم يكون متعمدًا للفعل وينسى أنه محرم ولكن لم يتعمد للإثم . والجاهل كذلك لو تعمد الفعل لكنه لم يتعمد الإثم . وعليه فقوله: ( متعمدًا ) يشمل الأمرين جميعًا أي متعمدًا للفعل وللإثم .

( فجزاء ) أي فعليه جزاء ( مثل ما قتل من النعم ) المماثلة هنا مشابهة وليست الموازنة ، فالعبرة بالشكل إذا كان مثله في الشكل فهو الجزاء ، فمثلًا النعامة فيها بدنة بعير ، وأيهما أكبر ؟ البعير أكبر من النعامة ، لكنها تشببها في طول الرقبة والسير على الأرض بدون طيران . ففي النعامة بدنة . طيب في الحمامة شاة ، أين المشابهة ؟ يقول المشابهة هنا في الشرب ، كيف تشرب الحمامة ؟ كيف تشرب الشاة ؟

طالب: تضع فمها في الماء وتشرب .

الشيخ: تضع فمها في الماء وتشرب ؟ هذه كلٌ يعرفها ، ما بنحضر رضاعة ونعطيها إياها .

الطالب: هذا من عندي يا شيخ

الشيخ: طيب جزاك الله خيرًا . يقولون: الشاة تشرب عبًا ، أتدري ما العب ؟ تشرب مصًا تمص مصًا حتى تروى ، الحمامة كذلك تعب الماء عبًا، فالمشابهة الآن مشابهة خفية ما يمكن نعرفها، يعني لو عرفنا كيف تشرب الشاة ما عرفنا كيف تشرب الحمامة . الدجاجة ـ سبحان الله ـ ما تشرب عبًا وإنما تشرب جرعًا ، يعني جرعة جرعة ، تضع منقارها في الماء وتسحب من الماء ما يملأ فمها ثم تنزله إلى الحوصلة ثم تعود وتشرب الحمامة أبدًا ما ترفع رأسها حتى تروى ، الشاة كذلك .

المهم أن الواجب على من قتل صيدًا وهو حرم جزاء ، عليه جزاء مثل ما قتل من النعم . إلى أين نرجع في معرفة المشابهة ؟ قال العلماء: نرجع في ذلك إلى ما قضت به الصحابة ، فما قضت به الصحابة وجب تنفيذه لقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} فإذا حكم به الصحابة وقالوا إن النعامة تشبه البدنة . قلنا خلاص ما عاد فيه تأويل ولا رجوع .

طيب ، الضب ماذا فيه ؟ الضب فيه جدي ، يعني ولد ماعز صغير ، الوبر كذلك ، الفأرة كذلك ؟

طالب: الفأرة ليست صيدًا .

الشيخ: ليست صيدًا لماذا ؟ لأنها حرام ، كل ما أُمر بقتله من الدواب فهو حرام { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } وقوله ( ذوا عدل ) أي صاحبا عدل أي ثقات ، ولكن لابد من إضافة شيء آخر وهو الخبرة ، وهذا الشرط معلوم من كلمة يحكم لأنه ما يمكن أن يحكم إلا بخبرة فلابد من شرطين: أن يكون عنده خبرة ، والثاني أن يكون عدلًا . الصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول وأما الخبرة فبعضهم ذو خبرة وبعضهم ليس له خبرة في مثل هذه الأمور فيُرجع إلى صاحب الخبرة الأمين .

{ هَدْيًا بَالغَ الكَعْبَةِ } يعني حال كون الجزاء هديًا ( بالغ الكعبة ) أي بالغ المسجد الحرام ، ولذلك يجب جزاء الصيد أن يكون في مكة ولو كان الإنسان قتله في بدر لأن الله صرَّح { هَدْيًا بَالغَ الكَعْبَةِ } هذه واحد ، { أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ } فعليه جزاء مثل ما قتل أو كفارة يعني عليه كفارة طعام مساكين ، كيف ذلك ؟ لو أن أحدًا من العلماء قال: كفارة طعام مساكين أي طعام ثلاثة مساكين أو ستة مساكين كما في فدية الأذى ، إن كان أحد من العلماء قال بهذا فقوله هو الصواب ، لكن الفقهاء يقولون: يقوم هذا المثل من النعم بدراهم ويُشترى بها طعام يُطعم بها المساكين كل مسكين له مُد بر أو نصف صاع بغيره . وقيل الذي يُقوم هو الصيد لأن هذا الصيد هو المُتلف فيُقوَّم الصيد لأنه الأصل ، والقائلون بأنه يُقوَّم المثل يقولون لأنه هو الواجب .

{ أَوْ عَدْلُ ذَلكَ صِيَامًا } يعني أو ما يعادل ذلك من الصيام ، الصيام كل إطعام مسكين يعادل يومًا ، ولهذا في كفارة الظهار صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا بالترتيب ، وعلى هذا فإذا قدرنا أن قيمة هذا الجزاء تساوي ألف ريال وأن إطعام كل مسكين بريال كم يصوم ؟ يصوم ألف يوم ، وهذا أيضًا محل بحث هل المراد ( أو عدل ذلك صيامًا ) أي ما يعادل إطعام المساكين الستة أو الثلاثة ؟ إن كان الأمر كذلك فالأمر سهل ، لكن إذا كان الأمر آلافًا ففيه شيء من الصعوبة والمسألة عندي تحتاج إلى تحرير وكل يوم أقول سأفعل ولكن قدر الله وما شاء فعل .

{ ليَذُوقَ وَبَال أَمْرِهِ } اللام للتعليل ، والتعليل يفيد الحكمة وهو أن جميع أحكام الله تعالى مقرونة بالحكمة ( وبال أمره ) أي عاقبة أمره { عَفَا اللهُ عَمَّا سَلفَ } الحمد لله ، عفا الله عما سلف لأنه كان قبل الحكم فيعفو الله عنه { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } من عاد بعد أن علم الحكم فالله ينتقم منه .

وفي هذا دليل على شدة احترام الحرم المكي وأن من قتل فيه متعمدًا فعليه الجزاء ، فإن عاد بعد هذا الحكم فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ، فتأمل كيف ينتقم الله عز وجل ممن قتل صيدًا فكيف بمن قتل إنسانًا ثم كيف بمن قتل دينًا ، أولئك القوم الذين في مكة منهم من يحارب الدين ، ليس يسل السيف ويحارب لكن بالأخلاق السيئة والكتابات السيئة في الصحف والجرائد . ولست أريد أن أهل مكة معظمهم .. لا .. فيهم ناس يقتلون الدين والمعنويات ، كما أن البلاد الأخرى فيها أناس لكن الثوب النظيف يكون العيب فيه أوضح وأبين ، ومكة يجب أن تكون أم القرى في الدين والعبادة والخلق والنصح وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة .

{ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ أُحِل لكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ } أُحل: المُحل هو الله عز وجل ، ولم يُسم للعلم به ( صيد البحر وطعامه ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: صيد البحر ما صيد حيًا ، وطعامه ما وجد ميتًا ، فأباح الله لنا ونحن حُرُم صيد البحر وطعامه ، أي ما أمسكناه حيًا أو ما وجدناه ميتًا . ويحتمل أن يكون صيد البحر الحيوان كالسمك والحوت ، وطعامه ما يوجد فيه من الأشجار التي فيها أحيانًا فيها أدوية فيها مصالح فيها شيء كثير ، ويكون عموم قوله صيد البحر شاملًا للحي والميت ، وعلى كل حال صيد البحر حلال سواء كان حيًا أو ميتًا كما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الطهور بماء البحر فقال: (( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) ).

{ مَتَاعًا لكُمْ وَللسَّيَّارَةِ } متاعًا لكم أيها المقيمين وللسيارة أيها المسافرون { وَحُرِّمَ عَليْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } أي في حرم أو حرام وعرفتم ما هو صيد البر { وَاتَّقُوا اللهَ الذِي إِليْهِ تُحْشَرُونَ } في هذا أمر ووعيد ، الأمر في قوله ( اتقوا الله ) الوعيد في قوله ( الذي إليه تُحشرون ) فإذا علم الإنسان أنه سيُحشر إلى الله فإنه سوف يستقيم لأنه يخشى من هذا الحشر إلى الله عز وجل .

سؤال: عفا الله عنك يا شيخ ، المعروف حرمة مكة والمدينة يا شيخ ، لكن بعض الناس يفخر فيها بعمل المعاصي داخل مكةوالمدينة ؟

الجواب: نسأل الله العافية ، هذا غلط ، المكان لا يشفع لأي كائن ، السعادة بتقوى الله والقرب من قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفع القريب الذي ينفع اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام ، لكن هذا من جهل الناس ، يقولون الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل مكة، وفي جوار الله عز وجل، ثم يتهاون بالمعاصي . سبحان الله ، إذا كنت من أهل مكة فاحترمها أكثر . وكذلك يُقال في المدينة .

سؤال: بعض الناس يا شيخ يقولون في المدينة النائم فيها أفضل من العابد وغيره ؟

الجواب: والله زين هذا ، أقول إذا صح الكلام هذا فهو طيب يروح الواحد ينام الليل والنهار في المدينة ويقول خلاص أحسن من العبادة . والنوم لا شك أنه إذا كان للتقوي على طاعة الله صار عبادة .

سؤال: أحسن الله إليك ، في قوله: ( هديًا بالغ الكعبة ) الهدي لا يبلغ الكعبة نفسها إنما في داخل الحرم ؟

الجواب: إشارة إلى أن أهل الحرم يُعظمون لأن فيهم الكعبة .

سؤال: هل يستدل على أن المضاعف في الصلاة عامة في الحرم جميعًا لقوله: ( هديًا بالغ الكعبة ) مع أنه ما يبلغها نفسها ؟

الجواب: التضعيف إنما جاء في المسجد الحرام ما جاء في الكعبة .

السائل: يقول لأن الذبح داخل في حدود الحرم ؟

الجواب: إي نعم لكن ما جاء الآن ذكر الحرم إطلاقًا هذا ذكر الكعبة، هذه واحدة . الشيء الثاني: كيف نعارض حديثًا صحيحًا صريحًا بمثل هذه التأويلات الباردة ؟ أليس الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة ) )؟ صريح. وأنا أقول لكم ـ بارك الله فيكم ـ احملوا المتشابه على المحكم ، النصوص القرآنية والنبوية فيها محكم ومتشابه لا تتبعوا المتشابه بناء على أذواقكم وأهوائكم ، اتبعوا المحكم ، هذا نص محكم ما فيه إشكال . لكن أنا أقول: لا شك أن صلاة في الحرم أي داخل حدود الحرم أفضل من صلاة في الحل بدليل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما نزل الحديبية صار مستقرًا في الحل لكن يصلي في الحرم يدخل ، وفرق بين الفضل المطلق والفضل المقيد ، نقول الحرم أفضل من غيره مطلقًا ، أما المقيد بمائة ألف صلاة فهذا خاص بالمسجد . وأقول أيضًا: إذا امتلأ المسجد واصطف الناس في خارج حدود المسجد فالأجر واحد انتهينا من الكلام على الآيات التي ذكرها البخاري رحمه الله في جزاء الصيد وشرحناها ، وكأنه رحمه الله لم يكن عنده حديث موصول في هذه المسألة فترك ذكر أحاديث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت