فهرس الكتاب
أما المسلم البعيد، فإنك تراسله وتكاتبه، وتوصي من يذهب إليه، فإذا كان عامِيًّا أوصيته بما يناسب العوام، وإن كان من خواص أهل العلم أوصيته بما للخواص؛ فهذا تأمره بالعمل، وهذا تأمره بالتطبيق، وهذا تبين له ما يجهله، وهذا تنبهه على ما يغفل عنه، كلٌّ بحسبه، وهذا هو التواصي بالحق.
ثانيا: التواصي بالصبر
وهذا فيه إشارة إلى أن الذين يدعون إلى الحق ويعملون به، لا بد أن ينالهم شيء من الأذى، وشيء من التضييق عليهم والفتنة، ونحوها! فهذه سنة الله في عباده، حتى مع الرسل! فإنهم ابتلوا وأُوذوا، وكذلك أتباعهم في كل زمان ومكان، وذلك أنه لا بد أن ينالهم -إذا كانوا متحققين بالإيمان- شيء من الأذى وشيء من البلاء!
وهكذا واقع الكثير من الأئمة والعلماء في الزمن الماضي وفي كل زمان كما حصل للإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية وأتباعهما، فمنهم من قُتل! ومنهم من حُبس! ومنهم من اضطهد! ومنهم من فُصل من عمله! ومنهم من أبُعد! ومنهم من أشهر بشهرة سيئة ظالمة! ومنهم من نشرت عنه نشرات خاطئة! وكل ذلك لم يصدهم عما هم عليه، بل صبروا وصابروا، وكانت لهم العاقبة.
وقد دل على ذلك قول الله -تعالى-: { أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ } .
فكل من قال: آمنا لا يستبعد أن يفتن، لقول الله -تعالى-: { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } .
يعني أنه يبتليهم، ويفتنهم؛ حتى يظهر معلوم الله فيمن كان صادقا ومن كان كاذبا!
ويقول -تعالى-: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ } وهذا يقع كثيرا في الذين يتَّسمون بضعف الإيمان، فإذا أصابتهم فتنة أو نالهم أذى من الناس خافوا من الناس كخوفهم من الله!