إذا قلنا: إن العلة تعبدية غير مدركة فنقول: الحجامة تفطر فحسب، ولا يقاس عليها أي لونٍ من إخراج الدم، سواء عن طريق الفصد، والفصد: هو شق العرق عرضًا ، والشرط، وهو شق العرق طولًا، وهذه من ألوان العلاجات ولا زالت إلى اليوم، وهي معروفة عند العرب، فإذا قلنا: إن العلة تعبدية فما يقاس إخراج التبرع بالدم، ولا تعمد إخراج الدم بأي طريق سواء بالفصد أو الشق أو غير ذلك.
وإذا قلنا: إن العلة مدركة -وهذا هو الأقرب- وذلك لما يحصل بسببه من الفتور إذا خرج الدم، فيقال: كل إخراجٍ للدم عمدًا يحصل به هذا الفتور؛ لأنه كثير فإنه يفطر.
ومن هنا نعلم أن مجرد تحليل الدم غير مفطر، ونعلم أن الجراح التي تصيب الناس في حال الصوم ولو خرج دم كثير فإنه لا يفطر، إذن: ما الذي يفطر؟ الذي يفطر هو إخراج الدم الكثير عمدًا بحيث يحصل به فتور، فيقاس عليه التبرع بالدم.
وأما الحاجم، فلماذا يفطر؟
من قال: إن العلة تعبدية فلا إشكال في كون الحجامة مفطرة، ومن قال: إن العلة مدركة فيقول: إن الحجامة قديمًا وإلى عهدٍ قريب، هي عبارة عن آلة لها مخرج في رأسها مثل الكأس الصغير، لها ثقب يأتي الحجام ويضعها على موضع الحجامة، ثم يمتص الهواء، ثم يتركها مدة فيجتمع الدم حتى يتكور تحت الجلد، ثم يخرجها؛ لأنه يسد هذا المنفذ بصمغة أو علك أو عصب أو نحو هذا، ثم بعد ذلك يفتح هذا المكان فتسقط، ثم يشرطها بالموس، ثم يضع هذا ثانيةً عليه ثم يشفط، فما الذي يحدث له؟
الذي يحدث هو أنه لا يستطيع أن يتحرز من الدم، فتتطاير أجزاء من الدم إلى جوفه، ولهذا كان كسب الحجام خبيثًا؛ لأن عمله مستقذر إذ يقارب فيه الإنسان أمورًا مستقذرة، هي عبارة عن الدم الفاسد، ولما كان لا يستطيع التحرز من وصوله إلى جوفه لذلك صار مفطرًا.