الصفحة 14 من 136

ومن عقله رحمه الله تعالى تقديره للنّاس وعدم اتّخاذ منكراتهم حجّةً في الإساءة إليهم في بيوتهم أو تخريب ممتلكاتهم ، قال المروزي: ( قلت لأبي عبدالله: الرّجل يُدعى فيرى سترًا عليه تصاوير ؟ قال: لا ينظر إليه ، قلت: قد نظرت إليه كيف اصنع ؟ أهتكه ؟ قال: تخرق شيءَ النّاس ؟! ولكن إن أمكنك خلعَه خلعته) (1) .

ومن عجيب ذلك ما رواه محمّد بن يحيى الكسائي قال: دخلت على خلف بن هشام البزّار (2) وقد خرج من عنده أحمد بن حنبل و زهير بن حرب أبو خيثمة ويحيى بن معين ، فقال لي: من رأيته خرج من عندي ؟ قلت: فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ ، فقال: إنّه كان قدّامي قنّينةٌ فيها نبيذ فلمّا رأتهم الجارية جاءت تشيلها (3) فقلت: لم هذا ؟ فقالت: يا مولاي جاء هؤلاء الصّالحون فيرون هذا عندك ؟ فقلت: أضيفي إليها أخرى ، يرى الله عز وجل شيئًا فأكتمه عن النّاس ؟ وأردت أن أنظر إلى عقل هذا الفتى ـ يعني أحمد بن حنبل ـ فحوّل ظهره إليها ، وأقبل عليّ يسألني عمّا يريده ، فقلت له لمّا أراد الانصراف: أيّ شيء تقول في هذا يا أبا عبدالله؟فقال: ليس ذاك إليّ ، ذاك إليك ، فقلت: كيف ؟ قال: قال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: ( كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته ) (4) ، والرّجل راعٍ في منزله ومسؤولٌ عمّا فيه ، وليس للخارج أن يغيّر على الدّاخل شيئًا ، فلمّا خرج سكبتُ خابيتين ، وعاهدت الله على أن لا أذوقه حتّى أُعرض على الله ) (5)

(1) الآداب الشّرعيّة لابن مفلح 1 / 198و308 .

(2) أبو محمّد المقرىء ، قال عنه ابن معين: الثّقة الصّدوق ، وقال الدّارقطني: كان عابدًا فاضلًا ، طبقات الحنابلة 1 / 154 .

(3) فصيحة ، من شال الحجر وشال به وشاوله بمعنى: رفعه ، انظر القاموس المحيط 3 / 591 .

(4) أخرجه البخاري في الجمعة باب الجمعة في المدن والقرى ح893 ومسلم في الإمارة باب فضيلة الإمام العادل ح1829 عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه .

(5) طبقات الحنابلة 1 / 153ـ154 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت