فهرس الكتاب
لكن لم يكن يداوم عليه الصلاة والسلام على قصار المفصل, فقد عرفنا أنه قرأ بالأعراف, وهي سورة طويلة, وقرأ بالمرسلات, وقرأ أيضًا بالطور, فعلى الإمام ألا يشق على المأمومين, بل يأخذ بهذه القاعدة العامة (إذا أم أحدكم الناس فليخفف, فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة) , وهي قاعدة مطردة, فلا يشق على الناس, ولا يملهم من الصلاة, ولا يجعلهم يستثقلون الصلاة ويكرهونها, لكن يأتي بالسنة, فيأتي بالطوال أحيانًا, ويفعل السنة أحيانًا, ويلاحظ أحوال المأمومين, وهذا هو الأصل.
يقرأ في صلاة المغرب في الركعتين الأوليين بالفاتحة وسورة, وفي الركعة الثالثة ثبت عن أبي بكر رضي الله عنه في الركعة الثالثة من صلاة المغرب أنه كان يقرأ فيها بعد الفاتحة بقوله جل وعلا (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة) إلى آخر الآية, فهذا ثابت عن أبي بكر الصديق, رواه الإمام مالك.
ويرون أن هذا بمثابة القنوت, لأنها آية تتضمن دعاء, والمغرب ثبت أنها وتر النهار, وهذا عمل من هذا الخليفة الراشد المسدد الذي أُمِرنا بالاقتداء به, فلو فُعِلَت اقتداء بهذا الخليفة الراشد فلا بأس, لا سيما أحيانًا, يعني لا يداوم عليها الإنسان, ولو تُرِكَت باعتبار أنها لا يثبت فيها شيء مرفوع فالأمر فيه سعة. وأما العشاء الآخرة فقرأ فيها بـ (والتين والزيتون) , ووقَّت لمعاذ بن جبل ب (والشمس وضحاها) و (سبح اسم ربك الأعلى) و (والليل إذا يغشى) ونحوها.
وأنكر عليه قراءة البقرة, وقال له: (أفتانٌ أنت يا معاذ؟) , لما قرأ سورة البقرة والناس في صلاة العشاء, وقد تأخر عليهم, لأنه كان يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام, ثم يأتي فيصلي بالناس, فشكاه أحد المأمومين بعد أن انصرف إلى النبي عليه الصلاة والسلام, فنهاه عن ذلك, ووقَّت له (والشمس وضحاها) و (سبح اسم ربك الأعلى) و (والليل إذا يغشى) .