الصفحة 30 من 59

لكن روى أبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير, وليضع يديه قبل ركبتيه) , وهذا عكس الحديث السابق.

وحديث أبي هريرة أقوى من حديث وائل, كما يقول الحافظ ابن حجر: فإن له شاهدًا من حديث ابن عمر, صححه ابن خزيمة, وذكره البخاري معلقًا موقوفًا.

وهذه المسألة إلى بسط, وتحتاج إلى توضيح, فعندنا حديثان متضادان في الظاهر, وإذا رأيت من يرجح تقديم الركبتين, كما في حديث وائل, فإنه يحكم على حديث أبي هريرة بأنه ضعيف لأنه مقلوب, وإذا رأيت من يرجح تقديم اليدين على الركبتين, لأنه جاء في حديث أقوى من حيث الصناعة وله شواهد, فإنه يحكم على حديث وائل بأنه ضعيف.

ابن القيم رحمه الله تعالى قال إن حديث أبي هريرة مقلوب.

كيف كان مقلوبًا؟!!

يقول: في الحديث (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير, وليضع يديه قبل ركبتيه) وإذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد شابه البعير, لأن البعير يقدم يديه في بروكه قبل ركبتيه, إذًا يكون هذا تناقض, فهو مقلوب, لأننا لو أخذناه على ظاهره صرنا متناقضين, هكذا قرر ابن القيم, وأطال رحمه الله تعالى في تقرير القلب في هذا الحديث, وأجلب على هذه المسألة بكل ما أوتي من قوة وبيان وسعة اطلاع, ليقرر أن الحديث مقلوب.

وبعضهم يرى وينقل عن بعض كتب أهل اللغة أن ركبتي البعير في يديه, لكن افترض أن ركبتي البعير في يديه, هل ينحل الإشكال؟

لا, لا ينحل الإشكال, لأنه إذا قدم يديه أشبه بروك البعير في الصورة.

شيخ الإسلام رحمه الله يرى أن الصورتين كلاهما صحيحتان وجائزتان, وسواء قدم الإنسان يديه أو قدم ركبتيه سيان, فهذه ثابتة من فعله عليه الصلاة والسلام, وهذه ثابتة من أمره (وليضع يديه) فاللام لام الأمر.

وهذه المسألة تحتاج إلى دقة فهم, هل الحديث الثاني حديث أبي هريرة مقلوب كما قال ابن القيم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت