الصفحة 151 من 468

بنيان مرصوص ظنه لا ينفذ فيه شيء كانت قناعة ثانيهما بقوته وماضيه وتجاربه وأمنه في قلاعه وحصونه وغفلته عما جرى من وراء أسواره إغراء للأول بالإقدام على مباغتته وافتراسه ولكن كتانت تجارب الحروب الصليبية القديمة وحروب آل عثمان من الترك قد دلت دلالة قاطعة على أن مواجهة العالم الإسلامي بالانقضاض المسلح لا تجدي إلا انبعاث قوة متماسكة شديدة البأس والخطر خليفة أن تسترد شبابها مهما كان في كيانها من العيوب وسرعام ما تلم شعثها إلى معركة فاصلة كسائر المعارك الأولى التي ردت غزاة الصليبية على أعقابهم فكان من الحكمة إذن تجنب المواجهة وكان من حسن التدبير واتقاء العواقب أن تدور هذه القوة الجديدة الأوروبية من حول العالم الإسلامي تتنقصه من أطرافه البعيدة بمهارة وحذر حتى لا يرتاع قلب هذا العالم الغافل فينفض التراب عن ثيابه ويمسح النوم عن وجهه ودبت أوربة دبيبا حول هذا العالم وجعلت تطوق شواطئ القارة الإفريقية من الغرب إلى أن بلغت شواطئ الهند طوقته يومئذ بطوق من الثغور تحتلهاثم تنفذ من كل ثغر إلى بدن العالم الإسلامي شيئا فشيئا على حذر شديد وبلا ضجيج يزعج نعم كان هذا غزوا وكلكنه غزو خفي الوطء بعيد المرمى طويل الأجل لم يكن غزوا بالمعنى الذي كان الناس يعهدونه يومئذ أو الذي نعهده إلى اليوم لم يكن جيوشا وجحافل لها صليل يقعقع ونقع يثور فتدك في زحفها الحصون حصنا حصنا حتى تفرغ في الأرض كلها في شهر أو شهرين أو عام أو عامين كان غزوا أقل ما فيه نكاية هو الجيوش وأبلغة افتراسا هو التجارة وأفتكه بالإنسان هو التبشير وهذه الصورة لا يكاد يخطئها من كان له أدنى إلمام بتاريخ الغزو الأوروبي المسيحي للعالم الإسلامي.

وليس يعنينا هنا أن نتتبع تاريخ نكاية الجيوش وافتراس التجارة بل الذي يعنينا هو التبشير وفهم طبيعة التبشير وعمله أمر لابد منه لكل إنسان رأى بلاده نهبا ممزقا وأشلاء مقطعة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أبعد الغرب إلى أبعد الشرق لأنه أحد كتائب الغزو الجديد وأفتكها بالناس ولست هنا بصدد سرد تاريخ التبشير منذ قام البارون دي ويتز في سنة 1664 يدعو إلى تأسيس مدرسة جامعة تكون قاعدة لتعليم التبشير المسيحي وتعلم فيها لغات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت