الصفحة 150 من 468

فى مقالة أو مقالتين فكأني أريغ اختصار قصة كاملة تستغرق آلاف الصفحات في بضع عشرة صفحة من مجلة الرسالة وهذا أمر لا يكاد يتم لأحد إلا بإخلال شديد في سياق القصة ولكن كان لابد مما ليس منه بد وسأحأول الآن محاولة أخرى مخوفة يتهددها الإيجاز بالغموض ولكني سأحأول مرغما حتى يتسنى لي أن أربط هذه القضية بأصولها القديمة باذلا في البيان غاية الجهد إبراء لذمتي في إتمام الصورة وتنبيها لكل غافل عن الخطر المقبل وهو خاطر ساحق يسحق تاريخه ومصيره فإذا قصرت فذلك المعهود من العجز وإذا شارفت حد الإبانة فبتوفيق الله وحده وتسديده وإن كنت لا أدري على التحقيق من أين أبدأ أمن التاريخ البعيد أم من التاريخ القريب؟

وفى هذه الحيرة أراه حسنا من الحسن أن أطوي التاريخ الطويل في كلمات موجزة دالة على مساربه وأسوق بعض الإيضاح في خلال ذلك حتى تتصل الأجزاء وتلتقي عند عهد محمد عليّ في سنة 1826 م وما بعدها وأسأل القارئ أن لا يمل فإن من الملل من كواذب الأخلاق كما قال عمرو بن العاص رضي الله عنه ففى عصر النهضة الأوروبية الأخيرة كان هناك عالمان كبيران العالم الأوروبي المسيحي والعالم العربي الإسلامي كان الأول قد ساور أول الشياب حين انطوى دهرا على نفسه يدرس ما حمل إليه الحاملون من تراث العرب والمسلمين في العالم والأدب وذلك بعد ارتداده إلى دياره منذ آخر حرب صليبية وبعد ظهور الدولة العثمانية المسلمة التي غزت أرضه ودياره وتوغلت فيها حتى تركت أصداء الكبير والتهليل تصدع الجبال في قلب القارة الأوروبية وكان الآخر قد أغفى إغفاءة في أعقاب دورة هائلة من دورات الحضارة بعد أن سارت كتائبه قرونا طوالا تطوف بحضارة الإسلام من الشمال البعيد إلى الجنوب القصى ومن الشرق النازح إلى الغرب الشاسع.

وفى هذه الفترة كان الأول متحفزا لا يهدأ وكان الآخر مستهينا مستنيما لا يبالي كان الأول طموحا نزاعا إلى الآفاق البعيدة وكان الآخر قانعا آمنا في ظل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت