الصفحة 438 من 468

يظن بفكر صارم صلد حديد فهو لذلك أكثر شئ جدلا إذا خاصم وهو إذا قرأ ما أكتب لم يعفني من جداله وإن لم يكشف لي عما في نفسه بيد أني لا أكاد أراه حتى أري الجدال قائما نافذا مطلا من أسارير وجهه وتجاليد جثمانه فإذا ما أردت استثارته ثار عن حشد حاشد من وجوه الاعتراض ومن التصميم الماضي على الاعتراض لا يبالي أن يمسك بتلابيبي ليرد فكري إلي فكره وليس عجيبا أني أجد متاعا لا يمل في أن أحس بقبضته وبلزه إذا ما لزني إلي مضيق رأيه وذلك لأني أجد لتعبيره عن نفسه نشوة تحملني على مقارعة حدته بحدتي ولا أزال ألم شعث الكلام المبعثر بيني وبينه فإما تراضينا واصطلحنا على شئ وإما تركته على غير رضي حتى يزداد جداله بينه وبين نفسه عراما وعنفا فلما قرأ المقالة السالفة زارني كعادته ولكني رأيت وجهه ينطف اعتراضا وجدالا أي يقطر وكأني عنده قد زدت لفظ الدين بابا من الغموض من حيث أردت البيان فمن أجل ذلك آثرت أن أوضح ما أردت في هذه الكلمة حتى نخرج من المأزق الذي أوقعتنا فيه اللغة كعادة كل لغة كما أسلفت في صدر مقالتي الماضية.

لفظ الدين عندما يطلق اليوم لا يكاد الناس يتوقفون في فهمه والمراد من معناه فهو عند أكثرهم ما يتضمن عبادات فئة من الناس يلتزمونها في أداء حق الله عليهم وما يتبع ذلك من رسوم يقيمونها في حياتهم ومن عقائد يتعقدونها في ربهم ومن أصول يؤمنون بها في نشأة الإنسان وفي حياته وفي معاده بعد الموت وانقضاء الحياة إلي أشياء كثيرة تتخلل ذلك من آداب ومعارف وإذن فمعني الدين هنا معني مركب من تفاصيل كثيرة جدا لكل قوم معني في تفصيله غير المعني الذي عند آخرين يخالفونهم فاليهودي يري أن الذي عنده من ذلك دين والنصراني يري أن الذي عنده من ذلك دين وكذلك المجوسي والبوذي وسائر أصحاب الملل يرون ما هم عليه دينا.

ولكن إذا عدنا فنظرنا وجدنا أن معني الدين عند أهل كل ملة معني مركب معقد أشد التعقيد = ووجدنا أن كل ملة تخالف صاحبتها في أكثر الأصول والتفاصيل في العقائد والعبادات. وإذن فمفهوم اللفظ عند كل منهم لابد أن يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت