فهرس الكتاب
ما في المنهج الإسلامي: أنه حي واقعي، فاحرص - سلمك الله - على العمل بما سأذكره لك إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله، كما قال الشاعر:
فإن رُمتَ النجاةَ غدًا وترجو = نعيمًا لا يصير إلى زوَالِ
نعيمًا لا يَبيدُ وليس يفنى = بدار الخُلْد في غرفٍ عوالي
وحورًا في الجنان مُنعَّمات = مَلِيحاتِ التبعُّل والدَّلالِ
فلا تشركْ بربِّك قطُّ شيئًا = وأخلص في العبادة والفِعالِ
هذا؛ ومن الوسائل الشرعية الفعَّالة للتغلب على فتن الدنيا أمور كثيرة:
منها: تدبُّر القرآن الكريم وما قصَّه الله تعالى علينا من خبر القرون من قبلنا، قال الله تعالى حكاية عن قارون وما ملكه من كنوز: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 76، 77] إلى قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} [القصص: 79 - 81] ، وحذَّر سبحانه من الفرح بالدنيا، وبيَّن أن فرح المؤمن إنما يكون بأعمال الصالحة، وليس بعَرَضٍ من الدنيا قلَّ أو كثر؛ قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] ، وقال الله جل وعلا: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 205 - 207] ، وقال: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} [الرعد: 26] .
"فبهذا الفضل الذي آتاه الله عبادَه، وبهذه الرحمة التي أفاضها عليهم من الإيمان؛ فبذلك وحدَه فليفرحوا."
فهذا هو الذي يستحقُّ الفرح، لا المال ولا أعراض هذه الحياة، إن ذلك هو الفرح العلوي الذي يطلق النفس من عقال المطامع الأرضيَّة والأعراض الزائلة، فيجعل هذه الأعراض خادمةً للحياة لا مخدومة،