فهرس الكتاب
ويجعل الإنسان فوقها وهو يستمتع بها لا عبدًا خاضعًا لها، والإسلام لا يحقر أعراضَ الحياة الدنيا ليهجرها الناس ويزهدوا فيها، إنما هو يزنها بوزنها؛ ليستمتعَ بها الناس وهم أحرار الإرادة طلقاء اليد، مطمحُهم أعلى من هذه الأعراض، وآفاقهم أسمى من دنيا الأرض، الإيمان عندهم هو النعمة، وتأدية مقتضيات الإيمان هي الهدف، والدنيا بعد ذلك مملوكة لهم لا سلطان لها عليهم" [1] ."
ومنها: التجهُّز للرحيل، كما اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم، قال مؤمن آل فرعون: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 39] ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( ما لي وللدنيا؟! إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكبٍ قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها ) )، وفي صحيح البخاري (6416) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: (( كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل ) )وكان ابن عمر، يقول: (إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) ؛ صحيح البخاري (8/ 89) .
وقال علي بن أبي طالب: (ارتحلت الدنيا مدبرةً، وارتحلتِ الآخرة مقبلةً، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليومَ عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل) [2] .
فالشعور بقُرب الرحيل، وسرعة انقضاء الدنيا، وتصور النفس في عداد الراحلين - يبعث على الاستعداد لدار البقاء، والمبادرة لاغتنام الفرص، والمسابقة في الأعمال الصالحة.
ومنها: تذكُّر الموت بزيارة المقابر، وحضور الجنائز، وتذكُّر مَن مضى من الأقارب والمعارف والإخوان، وكيف كان رحيلهم، ومجاهدة النفس على عدم التماهي مع الدنيا؛"فالاستغراق في شهوات الدنيا، ورغائب النفوس، ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصُّر والاعتبار، ويدفع بالناس إلى الغرق في لُجَّة اللذائذ القريبة المحسوسة، ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى، ويغلِّظ الحس فيحرمه"
(1) - في ظلال القرآن (3/ 1799) .
(2) - رواه البخاري (8/ 89) معلَّقًا.