فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 27

متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة، ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض، واللائقة كذلك بمخلوق يستخلِفُه الله في هذا الملك العريض.

ولما كانت هذه الرغائبُ والدوافع - مع هذا - طبيعيَّة وفطرية، ومكلفة من قبل البارئ جل وعلا أن تؤدي للبشرية دورًا أساسيًّا في حفظ الحياة وامتدادها، فإن الإسلام لا يُشير بكبتها وقتلها، ولكن إلى ضبطِها وتنظيمها، وتخفيفِ حدَّتِها واندفاعها، وإلى أن يكون الإنسان مالكًا لها، متصرفًا فيها، لا أن تكون مالكةً له متصرِّفةً فيه، وإلى تقويةِ روح التسامي فيه، والتطلع إلى ما هو أعلى.

وفي آية واحدة يجمعُ السياق القرآني أحبَّ شهوات الأرض إلى نفس الإنسان: النساء، والبنين، والأموال المكدَّسة، والخيل، والأرض المخصبة والأنعام، وهي خلاصة للرغائب الأرضية، إما بذاتها، وإما بما تستطيع أن توفِّره لأصحابها من لذائذ أخرى.

وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر: جنات تجري من تحتها الأنهار، وأزواج مطهرة، وفوقها رضوان من الله، وذلك كله لمن يمدُّ ببصره إلى أبعد من لذائذ الأرض، ويصل قلبه بالله" [1] ."

ومنها: العمل على استقرار حقيقة الحياة الدنيا في النفس، وأن وجودَها على الأرض موقوت، محدودة بأجل ثم تنتهي حتمًا، فالصالحون يموتون والطالحون يموتون، والمجاهدون يموتون والقاعدون يموتون، المُستعْلون بالعقيدة والمُستذلُّون للعبيد كلُّهم يموتون، يستوي مَن يأبَى الضَّيم ومَن هو خوَّار رِعْديدٌ جبان! الحريص على الحياة بأي ثمن وعالي الهمة ذو الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية النبيلة، ويموتُ التافهون أصحاب المتاع الرخيصِ والعظماءُ، فلَحِق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، وهلك أبو جهل، وشتَّان ما بين موتةٍ وموتة، فالكلُّ يموت، مات إمام الدنيا شيخ الإسلام والمسلمين وهلك أعداؤُه بغصَّتِهم، وعاشت كتب أبي عباس حجة لله على العباد، وهاديةً إلى صراط الله المستقيم، وآية وبرهانًا على نبوة سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم [2] .

(1) - في ظلال القرآن (1/ 373) باختصار يسير.

(2) - قد حقَّق شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الفذ"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"أن وجود الأئمة الأعلام ومصنفاتهم الماتعة من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، ودلائل الإعجاز، ومن الآيات التي يظهرها الله تصديقًا لرسوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت