فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 27

ومنها: تأمل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثيرة التي تبين حقيقة الدنيا، وحسبنا أن ننبِّه على بعضها:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَن أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوتُ يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا ) )؛ رواه الترمذي، وابن ماجه، وحسَّنه الألباني.

وعن أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: (( الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكرَ الله، وما والاه، أو عالمًا، أو متعلِّمًا ) )؛ أخرجه الترمذي (2323) ، وابن ماجه (4112) ، وحسنه الألباني.

وعن كعب بن مالك الأنصاري، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما ذئبان جائعان أُرسِلَا في غنم بأفسدَ لها من حرصِ المرء على المال والشرف لدينه ) )؛ رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وفي صحيح مسلم (2957) عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بالسوق، داخلًا من بعض العالية، والناس كنفته، فمرَّ بجَدْيٍ أسكَّ ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: (( أيُّكم يحب أن هذا له بدرهم؟ ) )، فقالوا: ما نحبُّ أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: (( أتحبون أنه لكم؟ ) )، قالوا: والله لو كان حيًّا، كان عيبًا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: (( فوالله لَلدنيا أهونُ على الله من هذا عليكم ) ).

ومنها: الاستعانةُ بالصبر والصلاة، والاستعداد لبذل التضحيات التي تتطلَّبها مكابدة ومجاهدة فتن الدنيا؛ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] [1] ، فالصبر هو المعونة العظيمة على كل أمر، ولا أملَ لغير الصابر أن يدرك شيئًا من الفضائل،

(1) -"يتكرَّر ذكرُ الصبر في القرآن كثيرًا؛ ذلك أن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الاستقامة على الطريق بين شتَّى النوازع والدوافع، والذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض بين شتى الصراعات والعقبات، والذي يتطلَّب أن تبقى النفس مشدودة الأعصاب، مجندة القُوَى، يقظةً للمداخل والمخارج."

ولا بد من الصبر في هذا كله؛ لا بد من الصبر على الطاعات، والصبر عن المعاصي، والصبر على جهاد المشاقِّين لله، والصبر على الكيد بشتى صنوفه، والصبر على بطء النصر، والصبر على بُعْد الشُّقَّة، والصبر على انتفاش الباطل، والصبر على قلة الناصر، والصبر على طول الطريق الشائك، والصبر على الْتواءِ النفوس، وضلال القلوب، وثقلة العناد، ومضاضة الإعراض.

وحين يطول الأمد، ويشق الجهد، قد يضعف الصبر، أو ينفد، إذا لم يكن هناك زاد ومدد، ومن ثم يقرن الصلاة إلى الصبر؛ فهي المَعين الذي لا ينضب، والزاد الذي لا ينفد؛ المعين الذي يجدِّد الطاقة، والزاد الذي يزوِّد القلب، فيمتد حبل الصبر ولا ينقطع، ثم يضيف إلى الصبر الرضا والبشاشةَ، والطمأنينة والثقة واليقين.

إنه لا بد للإنسان الفاني الضعيف المحدود أن يتصل بالقوة الكبرى؛ يستمدُّ منها العون حين يتجاوز الجهد قواه المحدودة، حينما تواجهه قُوى الشر الباطنة والظاهرة، حينما يثقل عليه جهد الاستقامة على الطريق بين دفع الشهوات وإغراء المطامع، وحينما تثقل عليه مجاهدة الطغيان والفساد وهي عنيفة، حينما يطول به الطريق وتبعد به الشُّقَّة في عمره المحدود، ثم ينظر فإذا هو لم يبلغ شيئًا وقد أوشك المغيب، ولم يَنَلْ شيئًا وشمس العمر تميل للغروب، حينما يَجدُ الشر نافشًا، والخير ضاويًا، ولا شعاع في الأفق، ولا مَعْلَم في الطريق ... هنا تبدو قيمة الصلاة، إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية، إنها الموعد المختار لالتقاء القطرة المنعزلة بالنبع الذي لا يغيض، إنها مفتاح الكنز الذي يغني ويقني ويفيض، إنها الانطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير إلى مجال الواقع الكوني الكبير، إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة، إنها اللَّمسة الحانية للقلب المتعب المكدود، ومن هنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في الشدة قال: (( أرحنا بها يا بلال ) )ويكثر من الصلاة إذا حَزَبه أمر؛ ليكثر من اللقاء بالله". اهـ. في ظلال القرآن (1/ 141 - 142) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت