فهرس الكتاب
-أو هذه المبايعة كما سمَّاها الله كرمًا منه وفضلًا وسماحة - أن الله سبحانه قد استخلص لنفسه أنفُسَ المؤمنين وأموالهم، فلم يَعُدْ لهم منها شيء، لم يعد لهم أن يستبْقوا منها بقية لا ينفقونها في سبيله.
لم يَعُد لهم خيار في أن يبذلوا أو يمسكوا، كلَّا، إنها صفقة مشتراة، لشاريها أن يتصرَّف بها كما يشاء، وفقَ ما يفرض ووفق ما يُحدِّد، وليس للبائع فيها من شيء سوى أن يمضي في الطريق المرسوم، لا يتلفَّت ولا يتخيَّر، ولا يناقش ولا يجادل، ولا يقول إلا الطاعة والعمل والاستسلام، والثمن: هو الجنة، والطريق: هو الجهاد والقتل والقتال، والنهاية: هي النصر أو الاستشهاد.
ولقد كانت هذه الكلمات تطرق قلوبَ مستمعيها الأولين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتحوَّل من فورها في القلوب المؤمنة إلى واقع من واقع حياتهم، ولم تكن مجرد معانٍ يتملَّوْنها بأذهانهم، أو يحسونها مجردة في مشاعرهم، كانوا يتلقونها للعمل المباشر بها؛ لتحويلها إلى حركة منظورة، لا إلى صورة متأملة ... هكذا أدركها عبدالله بن رواحة رضي الله عنه في بيعة العقبة الثانية، قال محمد بن كعب القُرَظي وغيره: قال عبدالله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم (يعني ليلة العقبة) : اشترِطْ لربك ولنفسك ما شئت، فقال: (( أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسَكم وأموالَكم ) )، قال: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال: (( الجنة ) )، قالوا: ربح البيع، ولا نَقيلُ ولا نستقيل.
هكذا"ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل"، لقد أخذوها صفقةً ماضية نافذةً بين متبايعين، انتهى أمرها، وأمضي عقدُها، ولم يَعُد إلى مردٍّ من سبيل:"لا نقيل ولا نستقيل"؛ فالصفقة ماضيةٌ لا رجعةَ فيها ولا خيار، والجنة ثمن مقبوض لا موعود! أليس الوعدُ من الله؟ أليس الله هو المشتري؟ أليس هو الذي وعد الثمن وعدًا قديمًا في كل كتبه: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 111] ؟ أجل! ومن أوفَى بعهده من الله؟" [1] ."
تم بحمد الله وحوله وقوته.
(1) في ظلال القرآن (3/ 1714 - 1717) مختصرًا.