فهرس الكتاب
ومَنُّه، وهذا هو الفوز الذي لا فوز أكبر منه ولا أجل، فهو السعادة الأبدية، والنعيم المقيم، والرضا من الله الذي هو أكبر من نعيم الجنات.
وإن لم يُسْعفْك عقلك في تصور مقدار تلك الصفقة، فانظر - سلمك الله - إلى المشتري من هو؟ وهو الله جل جلاله وتقدَّست أسماؤه، وإلى العوض، وهو جنات عرضُها السموات والأرض، التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإلى الثمن المبذول، وهو النفس والدنيا بما فيها، وإلى من بلَّغ عقد التبايع، وهو سيدُ ولد آدم وأشرف الرسل، وإلى الكتب التي رُقِّمت فيها البيعة، وهي كتبُ الله الكبار، المنزلة على أفضل الخلق وأُولي العزم من الرسل؛"فوالله لو كان للإنسان ألف نفْس، تذهب نفسًا فنفسًا في سبيل الله، لم يكن عظيمًا في جانب هذا الأجر العظيم؛ ولهذا لا يتمنَّى الشهداء بعدما عاينوا من ثواب الله وحسن جزائه إلا أن يردُّوا إلى الدنيا، حتى يُقتلوا في سبيله مرة بعد مرة، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] ."
هؤلاء هم الموفَّقون الذين باعوا أنفسهم وأرخصوها وبذلوها؛ طلبًا لمرضاة الله، ورجاء لثوابه، فهم بذلوا الثمن للمليء الوفيِّ الرؤوف بالعباد، الذي مِن رأفته ورحمته أن وفَّقهم لذلك، وقد وعد الوفاء بذلك، فقال: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] ، وفي هذه الآية أخبر أنهم اشتروا أنفسَهم وبذلوها، وأخبر برأفته الموجبة لتحصيل ما طلبوا، وبذل ما به رغبوا، فلا تسألْ بعد هذا عما يحصل لهم من الكريم، وما ينالهم من الفوز والتكريم" [1] ."
"والذين باعوا هذه البيعةَ، وعقدوا هذه الصفقة هم صفوةٌ مختارة، ذاتُ صفات مميَّزة، منها: ما يختصُّ بذوات أنفسهم في تعاملها المباشر مع الله في الشعور والشعائر، ومنها: ما يختص بتكاليف هذه البيعة في أعناقهم من العمل خارجَ ذواتهم؛ لتحقيق دين الله في الأرض من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام على حدود الله في أنفسهم وفي سواهم: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] ..."
إنه نص رهيب! إنه يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط المؤمنين بالله وعن حقيقة البيعة التي أعطوها - بإسلامهم - طَوال الحياة، فمن بايع هذه البيعةَ ووفَّى بها، فهو المؤمن الحق الذي ينطبق عليه وصف (المؤمن) ، وتتمثل فيه حقيقة الإيمان، وإلا فهي دعوى تحتاج إلى التصديق والتحقيق! حقيقة هذه البيعة
(1) - تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن) : (ص: 75) ، و (ص: 94) .