فهرس الكتاب
فإن عجزت عن كل ما ذكرتُه لك، فليس أقل من أن تَحْذَر من داء قديم موغل في القِدم، وهو بيع الآخرة بالدنيا، ومِن أظهر صوره أكلُ الحرام دون مبالاة، وقد تنبَّأ النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، ولا يخفى على أحدٍ انتشار ذلك المرض الفتَّاك في أهل زماننا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ليأتيَنَّ على الناس زمان، لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام؟ ) ) [1] .
أما المؤمن، فله شأنٌ آخر؛ فإنه إن حاز الدنيا، فإنه يحوزُها في يده لا في قلبه، ويمتلكها ولا تملكه، ويضحي بها في سبيل آخرته، لا أن يبيع الآخرة من أجل الدنيا، وأن يطلب الآخرة بالدنيا، لا أن يطلبَ الدنيا بالآخرة، وأن يفرِّغ قلبَه مما خلَتْ منه يداه، فهذا هو مَن يُرجَى له حسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وقد لخَّص تلك الوصية يحيى بن معاذ في قوله:"الدنيا أميرُ مَن طلبَها، وخادمُ مَن ترَكها، الدنيا طالبةٌ ومطلوبة، فمَن طلبها رفضته، ومن رفضها طلبتْه، الدنيا قنطرةُ الآخرة فاعبروها ولا تعمروها، ليس من العقل بنيان القصور على الجسور، ومن طلَّق الدنيا فالآخرة زوجتُه، فالدنيا مطَلَّقة الأكياس، لا تنقضي عدتُها أبدًا، فخلِّ الدنيا ولا تذكرها، واذكرِ الآخرةَ ولا تنسها، وخُذْ من الدنيا ما يبلِّغك الآخرةَ، ولا تأخذْ من الدنيا ما يمنعك الآخرة".
الختام
وقبل الختام أنبه القارئ الكريم إلى طبيعة الإسلام الذي ندين جميعًا الله به، الذي قد تخفى حقيقته عن كثير من المسلمين - ولعل هذا هو السبب الحقيقي فيما نحن فيه من تأخر ومحن - وهو أن الله تعالى جعل الدخول في الإسلام صفقة بين اثنين: الله سبحانه وتعالى الملِك الحق المبين، وبين عبده المسلم؛ {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم} [التوبة: 111] ؛ فانظر إنها بيعةٌ مع الله وهو المشتري سبحانه، وعبده الضعيف الهزيل هو البائع، فلا يبقى بعدَها للعبد شيء من نفسه ولا في ماله يمنعُه من الله الملك الحق، والمقابل ثمنٌ محدَّدٌ معلوم، هو رضا الله والجنة، وهو ثمن لا تعدله تلك السلعة المزجاة، ولكنه فضلُ الله
(1) - رواه البخاري في صحيحه رقم: 2083.