فهرس الكتاب
(( سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ الصَّلاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي ) ) [1]
قال الحافظ: فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ تَقْدِيم الصَّلاة عَلَى الْجِهَاد وَالْبِرّ لِكَوْنِهَا لازِمَة لِلْمُكَلَّفِ فِي كُلّ أَحْيَانه , وَتَقْدِيم الْبِرّ عَلَى الْجِهَاد لِتَوَقُّفِهِ عَلَى إِذْن الأَبَوَيْنِ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا خَصَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الثَّلاثَة بِالذِّكْرِ لأَنَّهَا عُنْوَان عَلَى مَا سِوَاهَا مِنْ الطَّاعَات, فَإِنَّ مَنْ ضَيَّعَ الصَّلاة الْمَفْرُوضَة حَتَّى يَخْرُج وَقْتهَا مِنْ غَيْر عُذْر مَعَ خِفَّة مُؤْنَتهَا عَلَيْهِ وَعَظِيم فَضْلهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَع, وَمَنْ لَمْ يَبَرّ وَالِدَيْهِ مَعَ وُفُور حَقّهمَا عَلَيْهِ كَانَ لِغَيْرِهِمَا أَقَلّ بِرًّا, وَمَنْ تَرَكَ جِهَاد الْكُفَّار مَعَ شِدَّة عَدَاوَتهمْ لِلدِّينِ كَانَ لِجِهَادِ غَيْرهمْ مِنْ الْفُسَّاق أَتْرَك, فَظَهَرَ أَنَّ الثَّلاثَة تَجْتَمِع فِي أَنَّ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لِمَا سِوَاهَا أَحْفَظ, وَمَنْ ضَيَّعَهَا كَانَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَع. [2]
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
(( سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَعْلاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تُعِينُ ضَايِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ، قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ ) ) [3] .
وعن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ:
(( كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَنْ لا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإِسْلامِ إِلا أَنْ أُسْقِيَ الْحَاجَّ، وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَنْ لا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإِسْلامِ إِلا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَقَالَ آخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:"أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ"
(1) رواه البخاري في كتاب الجهاد باب فضل الجهاد والسير (( 2782) .ومسلم في الإيمان (120) ، والترمذي في الصلاة (158) ، والنسائي في المواقيت (606) ، وأحمد في مسند عبدالله (3695) .
(2) الفتح (6/ 7) .
(3) رواه البخاري في كتاب العتق باب أي الرقاب أفضل (2518) ، ومسلم في الإيمان (84) ، والنسائي في الجهاد (3078) ، وابن ماجه في الأحكام (2514) ، وأحمد في مسند الأنصار (20368) ، والدارمي في الرقاق (2621) .