قصة ردم زمزم وجفافها ثم حفرها مرة أخرى
بينت كتب السير والتاريخ: أنه لما طالت ولاية جرهم استحلوا من الحرم أمورًا عظامًا، ونالوا ما لم يكونوا ينالون، واستخفوا بحرمة الحرم، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى إليها سرا وعلانية، وكلما عدا سفيه منهم على منكر وجد من أشرافهم من يمنعه ويدفع عنه، وظلموا من دخلها من غير أهلها
فلما رأى مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض ما تعمل جرهم في الحرم، وما تسرق من مال الكعبة سرا وعلانية، فقام بنصحهم فلم ينتصحوا، فعمد إلى غزالين كانا في الكعبة من ذهب، وأسياف قلعية، فدفنها في موضع بئر زمزم، وكان ماء زمزم قد نضب وذهب لما أحدثت جرهم في الحرم ما أحدثت، حتى غبي مكان البئر ودرس، فقام مضاض بن عمرو وبعض ولده في ليلة مظلمة، فحفر في موضع بئر زمزم وأعمق، ثم دفن فيه الأسياف والغزالين.
فبينا هم على ذلك إذ كان من أمر أهل مأرب ما ذكر أنه ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقياء بن ماء السماء، وهو عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكانت قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب، وأنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين، فباع عمرو بن عامر أمواله، وسار هو وقومه من بلد إلى بلد، لا يطئون بلدا إلا غلبوا عليه وقهروا أهله، حتى يخرجوا منه، حتى استولى على مكة وفنيت جرهم وفر منهم من فر منهم مضاض، واستولت خزاعة على مكة واقامت فيها. [1]
وظلت زمزم مردومة هكذا، حتى كان زمان عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي حفرها للمرة الثانية.
(1) أخبار مكة للأزرقي (123)