الصفحة 41 من 76

أمر أهل الميت بالصبر:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

(( مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى ) ) [1]

(فَقَالَ اِتَّقِي اللَّه) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الظَّاهِر أَنَّهُ كَانَ فِي بُكَائِهَا قَدْر زَائِد مِنْ نَوْح أَوْ غَيْره , وَلِهَذَا أَمَرَهَا بِالتَّقْوَى.

قُلْت: يُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي مُرْسَل يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير الْمَذْكُور"فَسَمِعَ مِنْهَا مَا يُكْرَه فَوَقَفَ عَلَيْهَا"وَقَالَ الطِّيبِيّ: قَوْله"اِتَّقِي اللَّه"تَوْطِئَة لِقَوْلِهِ"وَاصْبِرِي"كَأَنَّهُ قِيلَ لَهَا خَافِي غَضَب اللَّه إِنْ لَمْ تَصْبِرِي وَلا تَجْزَعِي لِيَحْصُل لَك الثَّوَاب.

قَوْله: (إِلَيْك عَنِّي) هُوَ مِنْ أَسْمَاء الأَفْعَال , وَمَعْنَاهَا تَنَحَّ وَابْعُدْ.

(وَلَمْ تَعْرِفهُ) أَيْ خَاطَبْته بِذَلِكَ وَلَمْ تَعْرِف أَنَّهُ رَسُول اللَّه.

(فَقِيلَ لَهَا) وفِي رِوَايَة: (فَمَرَّ بِهَا رَجُل فَقَالَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُول اللَّه , فَقَالَتْ: مَا عَرَفْته)

وَلِلطَّبَرَانِيّ فِي الأَوْسَط: أَنَّ الَّذِي سَأَلَهَا هُوَ الْفَضْل بْن الْعَبَّاس.

وَزَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة لَهُ: (فَأَخَذَهَا مِثْل الْمَوْت) أَيْ مِنْ شِدَّة الْكَرْب الَّذِي أَصَابَهَا لَمَّا عَرَفَتْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَجَلًا مِنْهُ وَمَهَابَة.

قَوْله: (فَلَمْ تَجِد عِنْده بَوَّابِينَ) قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير: فَائِده هَذِهِ الْجُمْلَة مِنْ هَذَا الْخَبَر

ـ بَيَان عُذْر هَذِهِ الْمَرْأَة فِي كَوْنهَا لَمْ تَعْرِفهُ , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنه أَنْ لا يَتَّخِذ بَوَّابًا مَعَ قُدْرَته عَلَى ذَلِكَ تَوَاضُعًا

ـ وَكَانَ مِنْ شَأْنه أَنَّهُ لا يَسْتَتْبِع النَّاس وَرَاءَهُ إِذَا مَشَى كَمَا جَرَتْ عَادَة الْمُلُوك وَالأَكَابِر

فَلِذَلِكَ اِشْتَبَهَ عَلَى الْمَرْأَة فَلَمْ تَعْرِفهُ مَعَ مَا كَانَتْ فِيهِ مِنْ شَاغِل الْوَجْد وَالْبُكَاء.

وَقَالَ الطِّيبِيّ: فَائِدَة هَذِهِ الْجُمْلَة أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَشْعَرَتْ خَوْفًا وَهَيْبَة فِي نَفْسهَا فَتَصَوَّرَتْ أَنَّهُ مِثْل الْمُلُوك لَهُ حَاجِب وَبَوَّاب يَمْنَع النَّاس مِنْ الْوُصُول إِلَيْهِ , فَوَجَدَتْ الأَمْر بِخِلافِ مَا تَصَوَّرَتْهُ.

(1) رواه البخاري في الجنائز باب زيارة القبور (1283) ، ومسلم في الجنائز (1534) ، والترمذي في الجنائز (909) ، والنسائي في الجنائز (1846) ، وأبو داود في الجنائز (2717) ، وابن ماجه في الجنائز (1585) ، وأحمد (11868) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت