فهرس الكتاب
قَوْله: (إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصَّدْمَة الأُولَى)
وَالْمَعْنَى إِذَا وَقَعَ الثَّبَات أَوَّل شَيْء يَهْجُم عَلَى الْقَلْب مِنْ مُقْتَضَيَات الْجَزَع فَذَلِكَ هُوَ الصَّبْر الْكَامِل الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الأَجْر , وَأَصْل الصَّدْم ضَرْب الشَّيْء الصُّلْب بِمِثْلِهِ فَاسْتُعِيرَ لِلْمُصِيبَةِ الْوَارِدَة عَلَى الْقَلْب
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ الصَّبْر الَّذِي يُحْمَد عَلَيْهِ صَاحِبه مَا كَانَ عِنْد مُفَاجَأَة الْمُصِيبَة , بِخِلافِ مَا بَعْد ذَلِكَ فَإِنَّهُ عَلَى الأَيَّام يَسْلُو.
وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ غَيْره أَنَّ الْمَرْء لا يُؤْجَر عَلَى الْمُصِيبَة لأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ صُنْعه , وَإِنَّمَا يُؤْجَر عَلَى حُسْن تَثَبُّته وَجَمِيل صَبْره.
وَقَالَ اِبْن بَطَّال: أَرَادَ أَنْ لا يَجْتَمِع عَلَيْهَا مُصِيبَة الْهَلاك وَفَقْد الأَجْر.
وَقَالَ الطِّيبِيّ: صَدَرَ هَذَا الْجَوَاب مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلهَا لَمْ أَعْرِفك عَلَى أُسْلُوب الْحَكِيم كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: دَعِي الاعْتِذَار فَإِنِّي لا أَغْضَب لِغَيْرِ اللَّه وَانْظُرِي لِنَفْسِك.
وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير:. فَائِدَة جَوَاب الْمَرْأَة بِذَلِكَ أَنَّهَا لَمَّا جَاءَتْ طَائِعَة لِمَا أَمَرَهَا بِهِ مِنْ التَّقْوَى وَالصَّبْر مُعْتَذِرَة عَنْ قَوْلهَا الصَّادِر عَنْ الْحُزْن بَيَّنَ لَهَا أَنَّ حَقّ هَذَا الصَّبْر أَنْ يَكُون فِي أَوَّل الْحَال , فَهُوَ الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الثَّوَاب اِنْتَهَى.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ:
مَا كَانَ فِيهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّوَاضُع وَالرِّفْق بِالْجَاهِلِ , وَمُسَامَحَة الْمُصَاب وَقَبُول اِعْتِذَاره
وَمُلازَمَة الأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر.
وَفِيهِ أَنَّ الْقَاضِي لا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذ مَنْ يَحْجُبهُ عَنْ حَوَائِج النَّاس
وَأَنَّ مَنْ أُمِرَ بِمَعْرُوفٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَل وَلَوْ لَمْ يَعْرِف الآمِرَ.
وَفِيهِ أَنَّ الْجَزَع مِنْ الْمَنْهِيَّات لأَمْرِهِ لَهَا بِالتَّقْوَى مَقْرُونًا بِالصَّبْرِ.
وَفِيهِ التَّرْغِيب فِي اِحْتِمَال الأَذَى عِنْد بَذْل النَّصِيحَة وَنَشْر الْمَوْعِظَة , وَأَنَّ الْمُوَاجَهَة بِالْخِطَابِ إِذَا لَمْ تُصَادِف الْمَنْوِيّ لا أَثَر لَهَا.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز زِيَارَة الْقُبُور سَوَاء كَانَ الزَّائِر رَجُلًا أَوْ اِمْرَأَة , قَالَ النَّوَوِيّ: وَبِالْجَوَازِ قَطَعَ الْجُمْهُور.