فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 150

قَوْله تَعَالَى (إِنِّي حَرَّمْت الظُّلْم عَلَى نَفْسِي) قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ تَقَدَّسْت عَنْهُ وَتَعَالَيْت , وَالظُّلْم مُسْتَحِيل فِي حَقِّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى. كَيْف يُجَاوِز سُبْحَانه حَدًّا وَلَيْسَ فَوْقه مَنْ يُطِيعهُ؟ وَكَيْف يَتَصَرَّف فِي غَيْر مُلْك , وَالْعَالَم كُلّه فِي مُلْكه وَسُلْطَانه؟ وَأَصْل التَّحْرِيم فِي اللُّغَة الْمَنْع , فَسَمَّى تَقَدُّسه عَنْ الظُّلْم تَحْرِيمًا لِمُشَابَهَتِهِ لِلْمَمْنُوعِ فِي أَصْل عَدَم الشَّيْء.

قَوْله تَعَالَى: (وَجَعَلْته بَيْنكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا) أَيْ لا تَتَظَالَمُوا , وَالْمُرَاد لا يَظْلِم بَعْضكُمْ بَعْضًا , وَهَذَا تَوْكِيد لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا عِبَادِي وَجَعَلْته بَيْنكُمْ مُحَرَّمًا) وَزِيَادَة تَغْلِيظ فِي تَحْرِيمه. [1]

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ) ) [2]

(قَضِيبًا) أَيْ عُودًا (مِنْ أَرَاك) بِالْفَتْحِ شَجَرَة مَعْرُوفَة، وهو عود السواك المعروف.

وهذا دليل على عظم حقوق المسلمين، وأنه لا يجوز ظلمهم في شيء ولو كان يسيرًا جدًا في أعين الناس كعود السواك، فما بالك فيما هو أعظم من ذلك؟!

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ) ) [3]

قَوْله (أَجْدَر) أَيْ أَلْيَق وَأَحَقّ وَأَوْلَى وَأَحْرَى

(أَنْ يُعَجِّل) أَيْ بِأَنْ يُعَجِّل اللَّه وَهُوَ مِنْ التَّعْجِيل

(مِنْ الْبَغْي) أَيْ الظُّلْم وَالإِسَاءَة إِلَى الْمَخْلُوقَات.

عن سَعِيد بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(1) شرح مسلم (8/ 384)

(2) رواه مسلم في الإيمان (196) ، والنسائي في آداب القضاة (5324) ، وابن ماجه في الأحكام (2315) ، وأحمد (21210) ، ومالك في الأقضية (1215) ، والدارمي في البيوع (2490)

(3) رواه ابن ماجه في الزهد باب البغي (4201) ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، زراه الترمذي في صفة القيامة (2435) ، وأبو داود في الأدب (4256) ، وأحمد (19480)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت