فهرس الكتاب
النجاح كلمة جميلة، تهفو إليها النفوس، وتصبو لها القلوب، إنها كلمة مدوية، عشقها العلماء وهام بها الجهابذة والعظماء، ولم يفر منها إلا الذين رضوا بالدون، وقبلوا أن يسطروا على هامش التأثير وفي ذيل القافلة.
ولقد اختلف مفهوم النجاح وبشكل ملموس من شخص لآخر فبعضهم يحدد النجاح بأنه الشهرة، والآخر يحدد النجاح بأنه المال الوفير، والآخر يرى النجاح بأنه الوصول إلى أعلى المناصب ومن هنا كانت النقطة الحساسة وهي أن اختلاف المفاهيم من شخص لآخر أدى إلى اختلاف الفكر ومن ثم اختلاف تكوين الشخصية والعلاقات مع الآخرين.
كل شيء له ضابط وإطار محدد، وإطار النجاح وضابطه هو الوصول إلى رضا الله سبحانه وتعالى من خلال تطويع الأسباب المادية والتكيف مع المجتمع ومع الحياة العملية مقتديًا بذلك بالقدوة الأول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآخذًا بما قالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لمعاوية رضي الله عنه أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا) [1] ،فإذا وصل الإنسان إلى رضا الله فقد وصل إلى أول ضابط من ضوابط النجاح.
لقد سطر لنا التاريخ نماذج مشرقة لصناع النجاح ورواده، الذين سادوا وقادوا وتركوا بصماتهم في سجل الحياة، فهذا عمر بن عبد العزيز نجح في بناء دولة إسلامية لم يشهد التاريخ من بعدها مثيلا، فأمن الناس على أنفسهم وأهليهم وأعراضهم وأموالهم، وعزوا فلم يجرؤا أحد على إذلالهم وفاض المال حتى لم يجدوا من يأخذه، وكل ذلك في سنتين لا غير!!
وقد فر عبد الرحمن الداخل إلى الشام بعد سقوط الدولة الأموية من أيدي العباسيين فلم يرضه ما آل إليه أمره، فأبى إلا النجاح، فشيد ملكًا عظيمًا في عقر بلاد النصارى، وأقام حضارة إسلامية دامت قرونًا طويلة، أخرج الله بها الغرب من ظلمات جهلهم إلى علم سادوا اليوم به الدنيا!!
(1) صحيح ابن حبان: 1/ 511، حديث (277) .