ألا تعلم::
إذا أظلم الليل نامت قلوب الغافلين، وماتت أرواح اللاهين، من لم يكن له ورد من الليل فقد فرّط في حق نفسه تفريطًا كبيرا، وأهمل إهمالًا عظيما، أيُّّّ حرمان أعظم ممن تتهيّأ له مناجاة مولاه، والخلوة به، ثم لا يبادر ولا يبالي؟! ما منعه إلا التهاون والكسل، وما حرمه إلا النوم وضعف الهمة، ناهيك بأقوامٍ يسهرون على ما حرم الله، ويقطّعون ليلهم في معاصي الله، ويهلكون ساعاتهم بانتهاك حرمات الله، فشتان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
روى البيهقي في سننه الكبرى بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله:"إن الله يبغض كل جعظري جوّاظ، سخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالمٍ بأمر الدنيا، جاهلٍ بأمر الآخرة" [1] .
لقد عشتم حتى رأيتم أجيالًا من المسلمين تُقطّع ليلها، وتسهر على العبث واللهو، في قنوات ماجنةٍ، وغناء ساقط، وتمتُّع هابط، لماذا تشكو بعض البيوت من ضعف الهمم عن قيام الليل، وتقفر منازل من المتهجدين المتعبدين؟ قيل لابن مسعود رضي الله عنه: ما نستطيع قيام الليل!! قال: (أقعدتكم ذنوبكم) [2] ، وقال رجل لأحد الصالحين: لا أستطيع قيام الليل، فصف لي في ذلك دواءً، فقال:"لا تعصه بالنهار، وهو يقيمك بين يديه في الليل".
أخي رسول الله هناك::
أي أخي ... عودة إلى القرون الأولى .. قرون العطاء .. وأيام النبوة ..
لو سرت عن هواك خطوات لاحت لك الخيام.
ولو هجرت فراشك من الليل لاستقبلتك الحور العين.
ولو صدقت العزم لأقامك الله بين يديه في الليل.
(1) أخرجه ابن حبان (1957 - موارد) ، والبيهقي في الكبرى (10/ 194) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة (195) . والجعظري الفظ الغليظ المتكبر، والجواظ الجموع المنوع، والسخاب كالصخاب كثير الضجيج والخصام).
(2) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (361) عن الحجاج الصواف قال: قيل لابن مسعود، وذكره، والحجاج لم يذكر له سماع عن أحد من الصحابة. انظر: السير (7/ 75) .