فمن نظر فيما احتوى عليه القرآن العظيم من الأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والشرائع المحكمة، والصلاح العام، وجلب المنافع الدينية والدنيوية، ودفع مضارهما، والخير العظيم والهداية، والصلاح المطلق الكامل: اضطر إلى الاعتراف بأنه تنزيل من حكيمٍ حميدٍ، وربٍّ كريمٍ.
وكذلك من نظر إلى ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم من السنّة والشرع الكامل، والدين القويم والصراط المستقيم في كل شؤونه؛ اضطره بعضُ ذلك ـ فكيف بكله ـ إلى الاعتراف بوحدانية الله، وأن الذي شرعه هو الربُّ العظيم الحكيم في شرعه ودينه؛ كما هو حكيم في خلقه وتقديره.
[من الأدلة: الفطرة السوية مضطرةُ إلى الاعتراف بالله]
ومن براهين وحدانية الله: أن العقولَ والفطرَ مضطرةٌ إلى الاعتراف بباريها، وكمالِ قدرته ونفوذ مشيئته،
وذلك أن الخلقَ محتاجون ومضطرون إلى جلب المنافع ودفع المضار.
ومن المعلوم لكلِّ عاقلٍ أن حاجة النفوس إلى خالقها وإلهها أعظمُ من جميعِ الحاجات والضرورات، فهي مضطرةٌ إلى علمها بأنه خالقُها وحده، ومالكُها وحده، ومبقيها وحده، وممدها بمنافعها وحده؛ {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ، {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [1] .
ولم يخرج عن هذي الفطرة إلا من اجتالتهم
الشياطين [2] ،
(1) - تمام الآية: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] .
(2) - اجتالتهم: أي ذهبوا بهم وجالوا .. [شرح النووي] ، وفي هذه الجملة
إشارة لحديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا ... » ، الحديث الطويل في صحيح مسلم ح (2956) .