الصفحة 28 من 40

وهذا هو الواقع في كل قطر أطلقت فيه الحريات , ولم تقيد بالقيود الشرعية العقلية , فإن النفوس أمارة بالسوء , وطبيعتها الأشر والبطر والانطلاق خلف كل شهوة ضرت الأفراد والجماعات أو لم تضرهم , فكما أن إطلاق الحريات في الأفعال مطلقا لا يمكن البقاء معه فلو ترك لكل أحد حريته , وأن له أن يقتل أو يجرح أو يضرب أو يأخذ أموال الناس وأعراضهم لفسدت الأحوال , واختلت الدنيا , ووقع الهرج والمرج , والضرر الكبير. . فكذلك حريات الأفكار: متى أطلقت , أتت بالمنكرات والفظائع الشنيعة , وكان من ثمرتها الخبيثة الاستغناء عن الدين وعن الرسل , صلوات الله وسلامه عليهم , وإنكار ما جاءوا به , وكذلك إنكار ما دلت عليه العقول الصحيحة من وجوب التقيد والتحرز عن الأمور الضارة في الاعتقادات والأخلاق والأعمال. ومن جراء حريات الأفكار ما تسمعه في الصحف الإلحادية والصحف الخليعة من المقالات التي تقشعر منها قلوب العقلاء وقد ضرت ضررا كبيرا في العقائد والأخلاق , بل ضرت الحكومات والجماعات والأفراد. أما شريعة الإسلام فإنها ولله الحمد جاءت بتنبيه العقول , والحث على التفكر في الأمور التي ينفع التفكير فيها: كآيات الله المخلوقة وآياته المتلوة , وسلكت في تفكرها ونظرها المسالك الصحيحة فأقرت العلوم النافعة والمعارف الصادقة والحث على كل خلق جميل والحذر عن كل خلق رذيل , وجعلت للأفكار حدا صحيحا إن تجاوزته وقعت في المهالك وأنواع الضلالات. فالأفكار إن لم تقيدها العقول الصحيحة والدين الصحيح الذي وضعه الله للعباد - فيه صلاح شئونهم وكمال أحوالهم - فإنها تحدث الفوضى والخطأ , والضلال والشقاء والحمق والجنون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت