الصفحة 68 من 154

المحترزات في القرآن تقع في كل المواضع في أشد الحاجة إليها.

وهذه القاعدة جليلة النفع، عظيمة الوقع؛ وذلك أن كل موضع يسوق الله فيه حكمًا من الأحكام، أو خبرًا من الأخبار، فيتشوَّف الذهن فيه إلى شيء آخر إلا وجدت الله قد قرن به ذلك الأمر الذي يعلق في الأذهان، فيبيِّنه أحسن بيان، وهذا أعلى أنواع التعليم الذي لا يُبقي إشكالًا إلا أزاله، ولا احتمالًا إلا وضَّحه، وهذا يدل على سعة علم الله وحكمته، وذلك في القرآن كثير جدًا، ولنذكر بعض أمثلة توضح هذه القاعدة، وتُحسِّن للداخل الدخول إليها:

فمن ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} [النمل: 91] لما خصَّها بالذكر ربما وقع في بعض الأذهان تخصيص ربوبيته بها، أزال هذا الوهم بقوله: {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} [النمل: 91] .

ومنها قوله تعالى: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ} [هود: 109] لما كان قد يقع في الذهن أنهم على حجة وبرهان، فأبان بقوله: {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ} [هود: 109] أنهم ضُلاَّل اقتدوا بمثلهم، ثم لما كان قد يتوهم المتوهِّم أنهم في طمأنينة من قولهم، وعلى يقين من مذهبهم، ولربما توهم أيضًا أن الأليق أن لا تبسط لهم الدنيا، احترز من ذلك بقوله: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} إلى قوله: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [هود: 109، 110] .

ولما قال تعالى: {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95] ربما يظن الظان أنهم لا يستوون مع المجاهدين ولو كانوا معذورين، أزال هذا الوهم بقوله: {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت