الصفحة 95 من 154

فانظر كيف حالهم الأولى وأمنيتهم وهم مأمورون بكف الأيدي، فلما جاء العمل الثاني ضعفوا كل الضعف عنه، ونظير هذا ما عاتب الله به أهل أُحد في قوله: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ *} [آل عمران: 143] وقد كشف هذا المعنى كل الكشف قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا *} [النساء: 66]

لأن فيه تكميلًا للعمل الأول، وتثبيًا من الله، وتمرُّنًا على العمل الثاني، ونظيره قوله تعالى: {ومِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ *فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ *} {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ} الآية [التوبة: 75 ـ 77] . فالله أرشد العباد أن يكونوا أبناء وقتهم، وأن يقوموا بالعمل الحاضر، ووظيفته، ثم إذا جاء العمل الآخر صار وظيفة ذلك الوقت، واجتمعت تلك الهمَّة والعزيمة عليه، وصار القيام بالعمل الأول مُعينًا على الثاني، وهذا المعنى في القرآن كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت