انظر إلى ما في هده الآياتِ من الأوامر التي بلغت نهايةَ الحسْنِ، وما اشتملت عليه من الخير والعدل والرحمة، والقيامِ بالحقوق الواجبة والمستحبة. وكذلك ما اشتملت عليه من المنهياتِ التي ضَرَرُها عظيم، وشَرُّها جسيم.
وهذه الشرائعُ مأموراتُها ومنهياتُها من أعظم معجزات القرآن والرسولِ - صلى الله عليه وسلم -، وأنها تنزيلٌ من حكيمٍ حميد.
ومثلُها ما وصف الله به خواصَّ العبادِ وفضلائهم في قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا"إلى قوله: +أُولَئِكَيُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) " [الفرقان:63 - 75] .
وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) } [المؤمنون:1] ، ثم عدَّد أوصافهم الجليلة، ثم قال في جزائهم: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) " [المؤمنون:10 - 11] ، وقوله:+إِنَّالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} ... إلى قوله: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) } [الأحزاب:35] ."
فكلُّ ما في هذه الآياتِ من الأوصافِ التي وصف اللهُ بها خيارَ الخَلْق قد عُلِم حَسْنُها وكمالُها ومنافعُها العظيمة +وَمَنْأَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) [المائدة:50] ، وجميعُ ما في الشريعة من العبادات والمعاملات والأمرِ بأداءِ الحقوق المتنوعةِ تفاصيلُ وتفاريعُ لما ذكَرَ في هذه الآيات. وجميعُ ما فصّلَه العلماءُ مِن مصالح المأمورات ومنافعِها، ومضارِّ المنهيات ومفاسدِها داخلٌ في هذا الأصل. ولهذا يُعلِّلُ الفقهاءُ الأحكامَ المأمورَ بها بالمصالح، والمنهيَ عنها بالمفاسد.