أولًا: من طبيعة مادته، فقد «اهتم الفقهاء بالقواعد الفقهية لما فيها من سهولة العلم والإحاطة بأحكام الفروع دون حفظها، والإلمام بمدلولاتها دون جمعها، ولما يترتب عليها من انتظام الكليات للجزئيات، ولولا القواعد الفقهية لكانت الأحكام الفقهية فروعًا متناثرة تتناقض في ظواهرها، وإن اتفقت في مدلول بواطنها» [1] .
وجاء في كتاب المنثور:
«أما بعد، فإن ضبط الأمور المنتشرة في القوانين المتّحدة، وهي أوعى لحفظها، وأدعى لضبطها، وهي إحدى حِكَم العدد التي وضع لأجلها.
والحكيم إذا أراد التّعليم لا بد له أن يجمع بين بيانين، إجمالي تتشوَّف إليه النفس، وتفصيليّ تسكن إليه.
وهذه القواعد تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على نهاية المطلب» [2] .
وثانيًا: أنه مختصر لكتاب كبير في المذهب، فكتاب القواعد لابن رجب حوى كثيرًا من القواعد الفقهية.
وكاد أن يستوعب مسائل الفقه جميعًا في تخريجها عليها، فيحصّل
الناظرُ فيه تفصيلًا بديعًا للمسائل مع ذكر قواعدها «وبقدر الإحاطة بها
يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف» [3] .
وتظهر قيمة هذا الكتاب من اعتماد كثير من العلماء المحققين لنقولاته، فكتاب «الإنصاف» ـ مثلًا ـ مُستودَعٌ لكتاب «القواعد» ، لابن رجب [4] .
(1) - المدخل للفقه الإسلامي (ص227) للدكتور عبد الله الدَرعان.
(2) - المنثور للزركشي (1/ 65، 66) .
(3) - الفروق للقرافي 1/ 3.
(4) - وذكر المرداوي في «مقدمته» للإنصاف (1/ 17) عند ذكره الاختلاف بين الأصحاب في مسائل متجاذبة المآخذ، قال:
«فالاعتماد في معرفة المذهب من ذلك على ما قاله المصنف، والمجد، والشارح، وصاحب الفروع، والقواعد الفقهية، والوجيز ... » .
وقال (1/ 17) : «فإن اختلفوا، فالمذهب: ما قدمه صاحب «الفروع» فيه في معظم مسائله، فإن أطلق الخلاف، أو كان من غير المعظم الذي قدّمه، فالمذهب: ما اتفق عليه الشيخان ـ أعني: المصنف والمجد ـ أو وافق أحدهما الآخر في أحد اختياريه، وهذا ليس على إطلاقه، وإنما هو في الغالب، فإن اختلفا فالمذهب مع من وافقه صاحب «القواعد الفقهية» أو الشيخ تقي الدين ... ».
ثم قال: «فإن لم يكن لهما ـ أي: الموفق والمجد ـ ولا لأحدهما في ذلك تصحيح، فصاحب القواعد الفقهية ... » .
قال: «وهذا الذي قلنا من حيث الجملة، وفي الغالب، وإلا فهذا لا يطرد البتة» .