«فهذه قواعد مهمة، وفوائد جمّة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيَّب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيّد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد، فليمعن الناظر في النظر، وليوسّع العذر إنَّ اللبيب من عذر، فلقد سنح بالبال على غاية من الإعجال كالارتجال أو قريبًا من الارتجال في أيامٍ يسيرةٍ وليال، ويأبى اللَّهُ العصمةَ لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، والله المسؤول أن يوفّقنا لصواب القول والعمل، وأن يرزقنا اجتناب أسباب الزّيغ والزلل، إنه قريب مجيب لمن سأل، لا يخيب من إياه رجى وعليه توكل» [1] .
ففي هذا النص الذي قدم به ابن رجب لكتاب «القواعد» يظهر منه الأمور الآتية:
أولًا: أراد ابن رجب أن يضبط أصول المسائل الفقهية حتى لا يضيع طالب العلم بين شارد المسائل، وكثرة القضايا.
ثانيًا: «يضع ابن رجب تحت عنوان (قاعدة) موضوعًا فقهيًا، ثم يتناوله بإيضاحٍ مسهب، وتفصيل معجب» [2] على وفق أصول المذهب.
ويذكر تحت القاعدة الواحدة مسائل متعددة من أبواب مختلفة، ويختارها بدقة، بحيث يكون بين ذكرها وبين القاعدة ارتباط وثيق، ومع هذا فهو يقحم في النادر بعض المسائل الفقهية داخل القاعدة [3] .
ويعمل في كثير من الأحايين على ترتيب المسائل بدقة فائقة تحت القاعدة الواحدة.
* مثال ذلك:
ما ذكره في القاعدة التاسعة والخمسون فيما يتعلق بالعقود التي لا ترد إلا على موجود الفعل أو بالقوة. تكلم فيها عن الانفساخ الحكمي بالتلف.
فذكر مسائله مرتبة:
* ذكر مسائل تلف المبيع في مدة الخيار هل يسقط الخيار أو لا يسقط.
* ثم ذكر تلف بعض المبيع المعيب.
* ثم ذكر تلف العين المعيبة كلها.
(1) - تقرير القواعد وتحرير الفوائد (1/ 3، 4) .
(2) - المدخل الفقهي العام (2/ 961) .
(3) - ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية ص252.