وأن ينتقي من مصنفات الفن الذي يشتغل فيه أحسنها وأوضحها وأكثرها فائدة، ويجعل جل همه واشتغاله بذلك الكتاب حفظًا عند الإمكان، أو دراسة تكرير، بحيث تكون المعاني معقولة له محفوظة، ثم لا يزال يكرر ما مر عليه ويعيده.
وعلى المعلم أن ينظر إلى ذهن المتعلم وقوة استعداده أو ضعفه، فلا يدعه يشتغل بكتاب لا يناسب حاله؛ فإن هذا من عدم النصح، فإن القليل الذي يفهمه ويعقله خير من الكثير الذي هو عرضة لعدم الفهم والنسيان، وكذلك يلقي إليه من التوضيح والتقرير لدرسه بقدر ما يتبع فهمه لإدراكه، ولا يخلط المسائل بعضها ببعض، ولا ينتقل من نوع من أنواع المسائل إلى نوع آخر حتى يتصور ويحقق السابق، فإنه دَرَكٌ للسابق وليتوفر فهمه على اللاحق.
فأما إذا أدخل المسائل بعضها ببعض قبل فهم المتعلم فإنه سبب لإضاعة الأول وعدم فهم اللاحق، ثم تتزاحم عليه المسائل التي لم يحققها فَيَمَلُّها ويضيق عطنه عن العود إليها، فلا ينبغي أن يهمل هذا الأمر.
وعلى المعلم النصح للمتعلم بكل ما يقدر عليه من التعليم والصبر على عدم إدراكه، وعلى عدم أدبه وجفائه، مع شدة حرصه على ما يقوّمه ويحسن أدبه، لأن المتعلم له حق على المعلم حيث أقبل على
العلم الذي ينفعه وينفع الناس، وحيث توجه للمتعلم [1] دون غيره،
وحيث كان ما يحمله من العلم هو عين بضاعة المعلم يحفظها
وينميها، ويطلب بها المكاسب الرابحة، فهو الولد الحقيقي
للمعلم الوارث له، قال تعالى: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم: 5 ـ 6] .
(1) - كذا وجدتها ولعله له أو للمعلم.