الصفحة 19 من 20

وأنهم وصلوا إلى حالةٍ وكمالٍ يستحيلُ أن يصلَ إليه أحدٌ حتى يسلك طريقهم ثم انظر ما وصلت إليه أخلاقُ الماديين الإباحيين الذين اطلقوا السَّراحَ لشهواتِهم ولم يقفوا عند حدٍّ, حتى هبطوا بذلك إلى أسفل سافلين. ولولا القوةُ الماديةُ تَمْسُكُهمْ بعض التماسُكِ لأرْدتهم هذه الإباحيةِ والفوضى في الهلاك العاجلِ {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم:42] .

ثم لولا بقايا من آدابِ الأديانِ بقيت بعض آثارها في الشعوب الراقية صلحتْ بها دنياهم لم يكن لرقيهم المادي قيمةٌ عاجلةٌ, فإن الذينَ فقدوا الدين عجزوا كلَّ العجزِ عن الحياةِ الطيبة والراحةِ الحاضِرةِ والسعادةِ العاجلةِ. والمشاهدةُ أقوى شاهدٍ لذلك.

ومشركو العربِ ونحوُهُم ممن عندهم بعضُ الإيمانِ وبعضُ الاعترافِ بالأصولِ الإيمانيةِ كتوحيد الربوبيةِ والاعتراف بالجزاء , خيرٌ لكثيرٍ من هؤلاء الماديين بلا ريب ولا شكٍ.

ثُمُّ قد عُلِم بالضرورةِ أنَّ الرُّسُلَ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم جاؤوا بالوحي والهداية جملةً وتفصيلًا, وبالنُّورِ والعلمِ الصحيحِ والصلاحِ المطلقِ من جميع الوجوهٍ, واعترفتْ العقولُ الصحيحةُ بذلك. وعلمَت أنها في غايةِ الافتقارِ إليه, وخضعت لِمَا جاءت به الرُّسُلٌ.

وعلمَتْ العقُولُ أنها لو اجْتَمَعَتْ من أولها إلى آخرها لمْ تصلْ إلى درجةِ الكُتُبِ إلى الحقائقِ النافعةِ التي جاءتْ بها الرُّسُلُ, ونزلتْ بها الكتُبُ وأنه لولاها لكانتْ في ضلالٍ مبينٍ وعمًى عظيمٍ وشقاءٍ وهلاكٍ مستمرٍّ.

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران:164] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت