وأكمل الناس عقلا من حصلت له به الهداية والرشاد , فإنه تنزيل من حكيم حميد. ولهذا سمى الله ما أنزل على رسوله هدى ورحمة ونورا وحكمة ورشدا , وحث فيه على كل إصلاح في أصوله وفروعه , وأرشد إلى المنافع الدينية والدنيوية. ثم إنك إذا تأملت أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وتنقلاته في دعوة الخلق ومعاملاتهم من أوليائه وأعدائه رأيت فيها الهدى الكامل والنصح التام , ورأيت آثار دعوته ملأت قلوب المسلمين علما ويقينا ومعارف ربانية , واهتدوا بها إلى كل خلق جميل وتنزهوا عن كل خلق رذيل , فكما كانت آثار رسالته في نفسه أكمل الآثار فتجمعت فيه أصناف الفضائل والكمالات على أكمل وجه , وصار بذلك أكمل البشر في كل الأمور مطلقا , فكذلك كانت آثار رسالته في أصحابه وأمته أكمل الآثار وأفضلها وأجلها , فلم يصل أحد من الأمم إلى ما وصل إليه أصحابه وأئمة الهدى من أمته وطبقات أهل العلم والإيمان من المعارف الصحيحة , والعلوم النافعة , والمعارف الربانية , والإيمان الصحيح , واليقين الكامل , والقيام بحقوق الله وحقوق خلقه , والرحمة بالخلق , والإحسان والعدل , وهذا من براهين صدقه وصحة ما جاء به. وكذلك من براهين رسالته أنه في هذه المدة القصيرة مكنه الله وبارك في عمره الشريف حتى أسس هذا الدين الذي هو أكمل الأديان وأعمها وأهداها للخلق , فقرر أصوله وفروعه , وحصل به صلاح الدين وصلاح الدنيا , وصار المثل الأعلى والقدوة للخلق فيما يأتون وما يذرون , وما يقولون ويفعلون.