الصفحة 30 من 93

ودخل الناس في دين الله أفواجا حين شاهدوا أنوار الإسلام وهداية القرآن وإرشادات الدين , وكان دينه الحق وما جاء به من أكبر الأسباب لدخول الخلق في الدين , فإنه يدعوهم بنفس الحق الذي جاء به , والذي تنقاد له القلوب السليمة والعقول الصحيحة , وتلين له الصعاب , ويختاره أولو البصائر والألباب الرزينة والآراء الصائبة , لما يرون من إصلاحه العقائد والأخلاق والأعمال كلها , ودعوته للصلاح المطلق بكل وجه واعتبار. وهذا وجه إدخاله في الجهاد , إذ هو أصله وأساسه , فإن الغرض من الجهاد انقياد الخلق للحق , ودخولهم في الدين الحق , وأكبر وسيلة لذلك معرفة ما جاء به الرسول , والوقوف التام على حقائق الدين. وما زال صلى الله عليه وسلم يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وبكل طريق يوصل إلى الهداية , ويجادل المبطلين بالتي هي أحسن , حتى أكمل الله به الدين وأتم به النعمة على المؤمنين , وجمع الله به أمما متباينة وقلوبا متفرقة وأهواء متشتتة , وأصلح الله به الظواهر والبواطن وكل أمر فاسد. وبعد ما كانت الأرض مملوءة من جميع أصناف الشرور , محقها الحق الذي جاء به , حتى امتلأت من الحق والعدل والرحمة والخير والنور , فمحا الظلمات المتراكمة , وحق الحق , واضمحل الباطل وزهق , إن الباطل كان زهوقا. فمعرفة الآثار والمنافع العامة العظيمة التي حصلت لأهل الأرض برسالته ودينه من أكبر البراهين الدالة على رسالته , وصحة ما جاء به من الدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه , وهو دين جميع الرسل وأتباعهم , فهو الدين الذي أخباره في أعلى درجات الصدق , وهو الذي ما أمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه , ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته أمر به , بل لو اجتمعت عقول الحكماء وسائر العقلاء على اقتراح دين أحسن منه وأصلح وأنفع للعباد لعجزت أفكارهم عن أن تصل إلى ما يقاربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت