الصفحة 29 من 93

وفي ذلك الوقت عقد الرؤساء من قومه المجالس المتعددة للإيقاع به , وإطفاء النور الذي جاء به , ومكروا المكرات العظيمة , والله يكلؤه ويحفظه. وحين بلغ الأمر أشده , وعزموا على الإيقاع والفتك به , ورتبوا أمرهم وأجمعوا كيدهم أذن الله له بالهجرة فخرج في تلك الحال الحرجة إلى الغار هو وأبو بكر مختفيين وبوعد الله واثقين. واشتد الطلب , وعز التخلص والهرب , ولكن لطف الله ونصر الله فوق مكر الماكرين , قال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [سورة الأنفال: الآية 30] {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها} [سورة التوبة: الآية 40] وهذا النصر من أكبر الآيات والبراهين على عناية الله به وحفظه إياه ووعده الصادق بتمام أمره ودينه. ثم هاجر إلى المدينة وعناية الله تصحبه , وحفظه وتوفيقه يرافقه , فتلقاه المسلمون , وكل قبيلة من قبائل الأنصار تدعوه إلى النزول عندها وتقول: هلم يا رسول الله إلى العدد والعديد , فاختار الله له ذلك المنزل الذي بركت فيه ناقته ليكون مسجدا له ومساكن لنسائه , فاختط مسجده هناك , وعمل فيه مع المسلمين , وبنى مساكن زوجاته بجواره , وسر المسلمون بقدومه. ولم يزل الله يشرع له الشرائع الكبار شريعة بعد أخرى بحسب المناسبات , ثم أذن له في القتال لما اشتدت مقاومات الأعداء بكل طريق , فلم يزل معهم يدال عليهم ويدالون عليه حتى صارت له العاقبة والنصر عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت