وجاء صلى الله عليه وسلم للخلق وحده , لم يكن له في أول الأمر أعوان ولا أنصار , إلا الحق الذي هو نعم العون على الأمور كلها , فلم يزل يتبعه الواحد بعد الواحد من أولي البصائر والألباب والعقول الرزينة , على شدة عظيمة , ومقاومات من الأعداء عنيفة , فلم تزعجهم الكوارث , ولا عوقهم عن قبول الحق خوف ولا ضغط من الأعداء , وأعداؤه هم أهل الرياسة ولهم السيطرة , فعادوه وعادوا أتباعه , وآذوهم أشد الأذية , وحرصوا على صرفهم عن دينهم , فلم يكن لهم بذلك طاقة ولا اقتدار , لأن إيمانهم صحيح ويقينهم تام لم يؤمنوا لرغبة بذلها الرسول ولا رهبة , وإنما الرغبة والرهبة في ذلك الوقت عند أعدائه , ولكن هو الإيمان الحق متى وقر في القلوب لم يرتد عنه صاحبه سخطة له , بل يراه أحب الأشياء إليه , وألذها لقلبه , وأعظمها فوزا وسعادة. فلم يزل صلى الله عليه وسلم يدعو إلى هذا الدين بعزم صادق , وهمة لا تني ولا تضعف , ويقين وثقة بوعد الله , مع قوة المعارضات وشدة المقاومات من جميع الأعداء , ويتتبع العرب في مواسم الحج وغيره في منازلهم يدعوهم إلى الله وإلى دينه , والمتبع له إذ ذاك أفراد من الموفقين أولي البصائر , وأكثرهم معرضون ومعارضون مقاومون , وهو صامد لأمر الله , مصمم على الدعوة لعباد الله , مستقيم على أكمل طريقة من الصدق والعدل , والوفاء بالعهد , لا يتزعزع عن الاستقامة والأخلاق الفاضلة , والنصح والقوة في أمر الله , والشجاعة التي لا نظير لها في الأولين والآخرين , مع اختلاف الأحوال عليه من خوف وأمن , وفقر وغنى , ويسر وعسر , وضيق وسعة. فدخل الناس في دين الله أفواجا , وانتشر الإسلام في مكة مع الضغط العظيم , وانتشر في المدينة أكثر من ذلك , فأذن لأصحابه في الهجرة إلى المدينة ليتمكنوا من إقامة دينهم , فجعلوا يهاجرون إليها أفرادا وجماعات.