حليما صبورا عفوا محسنا , كامل العقل والرأي , حازما مسددا موفقا في حركاته وسكناته , مع أنه قد نشأ مع أمة أمية لا تعرف الكتب ولا تدرس الشرائع , وهو في نفسه لا يقرأ ولا يكتب: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون} [سورة العنكبوت: الآية 48] {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك} [سورة القصص: الآية 86] فلم يزل محببا له الخير , فعالا له , متنزها عن جميع الشرور , حتى فاجأته الرسالة والوحي من الله تعالى , ورحم الله به الخلق فجاءهم برسالة عظيمة عامة فيها صلاح البشر كلهم وسعادتهم , وجاءهم بكتاب كريم لم يطرق العالم كتاب أعظم منه ولا أجل ولا أجمع لكل خير ولا أغزر علما منه. وأخبرهم بأمور عظيمة وتفاصيل جمة لم يكن في قومه من كان يعرفها , ولا في الأرض أحد عنده علم صحيح ينافيها وينكرها. وأعلن بهذه الرسالة غاية الإعلان لعلمه اليقيني الذي لا ريب فيه أنها الحق , واعتماده على الحق , ووثوقه بوعد الله بالظهور. مع كثرة الأعداء وتوفر المعارضين , من أهل الكتاب والأميين وغيرهم , فبادأهم وصرح لهم بإنكار ما هم عليه من الشرك والشرور والأخلاق الرذيلة , وأن شريعته نسخت جميع الكتب , وهيمنت على كل الشرائع السابقة. فرماه الجميع بقوس العداوة , وجدوا واجتهدوا في رد ما جاء به , ونصر باطلهم. وتحدى قاصيهم ودانيهم وأولهم وآخرهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن , فما استطاعوا ذلك , ولا قدروا على رد شيء من دينه , مع أنهم مكروا مكرا كبارا , وأتوا بكل وسيلة وحيلة , فرجعوا منهزمين أمام الحق خائبين , والمنصف منهم لم يجد بدا من الاعتراف , والجاهد المكابر طفق ينصر باطله , فلم يبد حجة ولا برهانا , بل ولا شبهة يتكئ عليها. ومن أكبر أدلة الحق معرفة ما قاله أعداؤه ومعرفة حججهم التي لا تغني من الحق شيئا.