فهرس الكتاب
وغاية ما يصل إليه الملحدون المنكرون المعطلون وصولهم إلى علل بعض الموجودات , أو ما يسمونه أسبابا أو مواد أو أصولا , فمتى وصلوا إليها بعد الكد والتعب وإتعاب الأفكار ظنوا أنهم وصلوا إلى جميع علل الموجودات , وأنه ما بعد ذلك شيء , فأنكروا الخالق واستولت عليهم الطبيعة. وعند التحقيق تجد هؤلاء القوم وإن مهروا في علوم الطبيعة وحذقوا في الرياضيات فمنتهى ما وصلوا إليه من العلم الصحيح في هذه الأشياء هو من جملة مخلوقات الله الذي خلق جميع العالم العلوي والسفلي بنظام وحكم تقصر عقول الخلائق عن الإحاطة بحكمة الله فيها. وكلما أمعن الفكر الصحيح في حكمه وحسن نظامه رأى من كمال النظام واقتران الأسباب بمسبباتها والعلل بمعلولاتها ما يدله على الخضوع لله والانكسار لعظمته ; ولكن هؤلاء ما زادهم هذا النظر إلا عتوا ونفورا , والسبب الذي أداهم إلى هذا معروف , وهو استكبارهم عن الحق واحتقارهم للخلق , وأنهم لما جاءتهم رسلهم بالبينات في المسائل والدلائل والبراهين اليقينية فرحوا بما عندهم من العلوم الطبيعية التي لا ترقي القلوب والأرواح , ولا تزكي الأخلاق , فقصور هؤلاء واقتصار علومهم وانتهاؤها إلى ما ذكرنا من بعض علوم الطبيعة وعجبهم بأنفسهم هو الذي صيرهم إلى هذا الإلحاد. هذا في علومهم الصحيحة , وأما النظريات المخالفة للكتاب والسنة فلم يتفقوا ولله الحمد على نظرية واحدة منها بل تجدهم فيها متناقضين يرد بعضهم على بعض , وهذا شأن الباطل: {بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج} [سورة ق: الآية 5] وأما جميع الحقائق التي دل عليها دين الإسلام فهي كلها حق وصدق , ثابتة لا تغيرها الأوقات ولا تقدح فيها الشبه , بل كلما عورضت ظهر من حقها ونورها وبرهانها أمر عظيم يبين أنها من عند من هو بكل شيء محيط , ويبين أن جميع الحقائق الثابتة الصحيحة مندرجة في ضمن الدين الإسلامي.